في كل مكان، نسمع كلمة «المواطنة»، وصارت شائعة جدا، والتفاسير كثيرة، ومن أبرزها أنها تعني علاقة الإنسان بالوطن، وبمن حوله، في صور متعددة، تظهر في القوانين والأنظمة التي تحدد الحقوق، ولا تهمل الواجبات. في كل العصور، لم تكن «المواطنة» نمطا واحدا، أو انتماء فكريا واحدا، أو مذهبا واحدا، أودينا واحدا، أو ذاكرة تاريخية واحدة، أو حتى مرجعية واحدة، وهذا أمر لا يمكن لأحد نكرانه، ومن هنا برزت أهمية الوعي بما تنتجه اختلافات المفاهيم والمشارب، وأهمية البعد عن منهجيات الفرض بالقوة، سواء أكان ذلك من الأعلى أو من الخارج، وأهمية أن تحتضن الأوطان والوطن الواحد كل التنوعات الموجودة، وألا نفرق في الاعترافات، أو في مستويات التفاعل والتمييز.

العالم لم يعد عالم «القطب الواحد»، ليس في السياسة فقط، بل في كل أمور الحياة، تعددت الأقطاب، وصار لازما وفرضا عقد مصالحات بين أصحاب الهويات المختلفة، دينية كانت أو وطنية، ورفع زعم التنافي بين الناس، وتحييد عناصر طرد الآخرين وإقصائهم، والوقوف بحزم ضد مسببات ومسببي العنف والكراهية، وسيق الكل للالتفاف حول لوازم التنوع واختلافاته، سواء في العقائد أو المصالح، وهذا لا يعني إلغاء المرجعية الحاكمة، بل هو تأكيد على ما تقرره من قوانين تنظم العلاقات، وتحمي الناس أجمعين، من خلال الاحتضان الذي قدمت ذكره.

المتخصصون في العلوم الشرعية يعلمون، وينبغي أن يعلموا من حولهم، بأن الله تعالى أوجب على المسلمين الدفاع عن معابد النصارى واليهود، بالقدر الذي يدافعون به عن جوامعهم، وهو دليل قاطع على الاحترام الشرعي للتعددية، وتذكير بأنه إن كانت هذه الحماية مع الغير لازمة، فكيف مع شركائهم في دينهم نفسه. يقول جل جلاله في سورة الحج: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللَّه ولولا دفع اللَّه الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم اللَّه كثيرًا ولينصرن اللَّه من ينصره إن اللَّه لقوي عزيز}، فهذه المدافعة دالة بغير شك، ودون الحاجة للتكرار، إلى ضرورة تجاوز النظرات الإقصائية، وضرورة تطبيق العيش المشترك عمليا، وليس مجرد شعارات، وإفساح المجال العام لأن يسهم المؤهل في خدمة التراث والدين، وغير ذلك من المقترحات المعززة للمواطنة وأبعادها وتصوراتها وتصرفاتها وسلوكياتها ووجدانياتها، معترفا أن الآية عند المقصرين في فهم عالمية الدين، هي لبيان أهمية الجهاد، وليس فيها ما يدل على حكم المعتقدات المختلفة، مع أن التاريخ يثبت أنه لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه هدموا كنيسة ولا بَيْعةً ولا بيت نار، وتلك كانت الديانات في المجال الحضاري للإسلام يومئذ.

أختم بأنه لا بد وأن يمضي عقلاء الأوطان في حواراتهم المجتمعية، وأن تكون جادة ومفتوحة، وبعيدة عن اختلافات الثقافات والأديان والمذاهب، مع ضمان سلامة أهلها أيضا، وأن يكون الهدف الأسمى تحسين المعاش وجودة الحياة، ودعم مؤشرات التحسين المطلوب، والجودة المنشودة.