في العقود الماضية، تصدر حديث الصحة العامة موضوعات كثيرة، لكن قلة منها تحولت إلى قضية عالمية تمس جودة الرعاية ومهنييها كما فعل (الاحتراق الوظيفي) بين العاملين في القطاع الصحي. تشير دراسات عالمية إلى أن ما يزيد على ثلث العاملين الصحيين حول العالم يعانون من أعراض الاحتراق، بما يشمل الإرهاق العاطفي، والتبلد، وتراجع الشعور بالإنجاز. تختلف النسب من بلد إلى آخر، لكنها تكاد تكون حاضرة في كل نظام صحي بوصفها عاملًا يؤثر في جودة العمل والحياة المهنية معًا.

بعد جائحة كوفيد -19، تصاعدت هذه المؤشرات بشكل ملحوظ. ففي بعض الدراسات قدرت الإصابة بأعراض الاحتراق بأكثر من نصف العاملين خلال فترات الضغط الشديد، ولا تزال تقارير وطنية في دول كبرى تشير إلى أن قرابة نصف الأطباء يشعرون بدرجات من الاحتراق حتى بعد انحسار الجائحة بسنوات.

لكن ماذا لو كانت الظاهرة أعمق من مجرد تعب مهني مزمن؟


هنا يبرز مفهوم أكثر عمقًا يعرف باسم الجرح الأخلاقي المهني (Moral Injury)، وهو مفهوم يغير فهمنا لطبيعة الأزمة. فالفرق بين الاحتراق والجرح الأخلاقي ليس لغويًا، بل وجودي في جوهر التجربة. الاحتراق يعكس ضغوطًا متراكمة بسبب بيئة العمل، أما الجرح الأخلاقي فينشأ عندما يجد الطبيب نفسه مضطرًا للعمل داخل إطار تنظيمي يتعارض مع إنسانية المهنة التي اختارها، أو عندما تمنعه آليات النظام من تقديم الرعاية التي يؤمن بأنها الأفضل لمريضه.

عندما تفضل مؤشرات الأداء على جودة القرار السريري، وحين تصبح الإجراءات الإدارية أكثر حضورًا من الحوار الإنساني، يتولد صراع داخلي لا يقاس بعدد الساعات ولا بحجم المهام المنجزة. هنا لا يكون الألم تعبًا جسديًا فقط، بل انكسار في المعنى.

على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي، الأسبوع الماضي، قال وزير الصحة المهندس فهد الجلاجل: «وعدنا للممارسين الصحيين أن ندعمهم ونمكنهم ونزيل جميع المعوقات أمامهم»، مشيرًا إلى صعوبة المرحلة السابقة وما صاحبها من احتراق وظيفي خلال الجائحة، ومؤكدًا أن المرحلة الثالثة من التحول ستشهد تحويل كل تجمع إلى شركة مستقلة بصلاحيات كاملة، بما يمكن العلاج والمريض والممارس معًا.

هذا التصريح لا يقرأ كموقف معنوي فحسب، بل كإشارة إلى إدراك أعمق بأن المشكلة ليست في قدرة الأطباء على التحمل، بل في تصميم النظام ذاته. فالتمكين الحقيقي لا يكون بتخفيف الضغط مؤقتًا، بل بإعادة توزيع الصلاحيات، وتقليل المركزية، وإزالة الحواجز التي تعيق القرار السريري الرشيد.

التجارب العالمية تظهر أن مغادرة الأطباء لا ترتبط فقط بالإجهاد، بل بفقدان المعنى. الطبيب الذي دخل المهنة بدافع إنساني، ثم يجد نفسه مقيدًا بقواعد تعيق تقديم أفضل رعاية ممكنة، يبدأ بالتساؤل عن جدوى الاستمرار. وفي كثير من الأحيان لا يكون الخروج صاخبًا، بل صامتًا.

في هذا السياق، يتحول الاحتراق الوظيفي إلى اختبار لقدرة الأنظمة الصحية على الإصغاء وإعادة ترتيب أولوياتها. إذا لم يصمم النظام بحيث يحرر الوقت للتفكير، ويمنح مساحة للتواصل، ويوازن بين الكفاءة والرحمة، فلن يتمكن من الاحتفاظ بالكوادر التي يحتاجها لتحسين الرعاية.

السؤال إذن لا يقتصر على: كيف ندعم الأطباء؟

بل يتجاوز ذلك إلى: كيف نصمم أنظمة لا تضعهم في صراع بين إنسانيتهم ومؤشرات الأداء؟ كيف نوازن بين الانضباط الإداري والحاجة إلى رعاية إنسانية حقيقية؟

فالطب في جوهره علاقة إنسانية قبل أن يكون خدمة قابلة للقياس. وإذا فقد الطبيب شعوره بأن هذه العلاقة هي مركز عمله، فلن تعوضه الحوافز أو الترتيبات الإدارية. الحفاظ على الكوادر يبدأ بمنع الاصطدام بين النظام والطبيعة الإنسانية لمهنة الطب، قبل أن يتحول ذلك الصراع إلى خروج نهائي من المهنة... حتى إن كان الخروج عبر (استقالة صامتة).