استعرت عنوان مقالي من روح عنوان مقال قديم كتبه الفقيد النبيل الدكتور محمود سفر، عنوانه «جددت أحزاننا بوفاتك يا شيخ.. رحمك الله»، ينعى فيه سيدي الوالد، قبل 22 عاماً. فور ورود الخبر الحزين والمؤلم بانتقال الدكتور محمود إلى الرفيق الأعلى، ظهر السبت قبل الماضي، عدت لذلك المقال، وإلى تلك الفترة الجميلة من حياة الوالدين الكريمين، محمد فدعق، ومحمد سفر، رحمهما الله تعالى، والعلاقة الوثيقة التي كانت بينهما، التي وصفها الراحل الكبير بقوله: «السيد محمد، صنوان أبي، وصديق عمره، ورفيق دربه.. فيه كنت أشاهد قسمات أبي.. وعلى قسمات وجهه كنت أرى تعبيرات أبي..»، شعرت بالحزن الكبير وأنا أقرأ المقال، وفي الوقت نفسه الفرح، على أن الصلات والمودات التي كانت بين الآباء لم تنقطع أبدا.

عرفت الدكتور محمود، وكان مضرب مثل البر بالوالدين، عند الوالد، ودائماً كان يقول لي إن «محمود» بار، وسيفتح عليه الله، وخصوصاً عندما كنا نطوف حول الكعبة المشرفة، ونراه متأبطاً نعال والده العم محمد، طوال أشواط الطواف، وهو أستاذ في الجامعة، فكان بالنسبة لمن حوله قدوة تستحق الاقتداء، بخاصة أن جزاء البر رآه الكل قد تحقق فيه، وفي كل حياته العملية التي يعرف نجاحاتها كل من له صلة به. من الذكريات التي تجددت عندي بوفاة الراحل الكبير، بداية نشأته، رحمه الله، فقد توفت والدته السيدة «نور أبو لبن»، وهو لم يبلغ السنتين، بعد أيام من ولادتها لشقيقته، التي توفيت هي الأخرى بعد أيام بسيطة من رحيل أمها، فتضاعف الحزن عند العم محمد بوفاة ابنته التي سماها باسم أمها «نور»، ورحيل أمها، ومسؤولية الابن الصغير، وخطبت له جدة ابنه، السيدة «رحمة غبرة» صديقة أمه، السيدة «نور نصير»، التي عاش في كنفها فقيدنا، يحبها وتحبه، وتعامله كإخوته: عبدالله وحامد وحسين، رحمهم الله، والدكتور حسن، حفظه الله، ويعاملها مثلهم، وباشر تكفينها بنفسه يوم وفاتها، وأذكر دموعه الحرى عند دفنها، في محرم عام 1423.

قبل فترة من رحيل الفقيد، حظيت بزيارة خاصة له بداره، وتبادلت الحديث معه ومع زوجته السيدة الفاضلة «منى قطب»، وكان حينها يحكي عن محبوبته «مكة المكرمة» بكل جماليات وتفاصيل تنوعاتها، وبعدها كتبت هنا «الرائد محمود سفر»، وشعرت أني لم أقم بوفائي حقه في مقالي، ولا أظن أني فعلته بهذا المقال، فقامة الراحل تستحق أن يدون معاصروه جوانب حياته المختلفة، التي كان يتميز بها، ابتداء بالحياة العلمية، ونهاية بالحياة العملية، مروراً بالجوانب الفكرية الوضاءة، والإنسانية الجميلة، ومن هذه الأخيرة حنوه على الضعفاء، وحبه لمجالس العلم، ومودته لأهل الفضل، وتأكيد العمل وفق محدداته الإدارية الخاصة، وقيمه العالية، ومواهبه الفذة، وهنا أذكر نصيحته التي لا ولن أنساها: «البعض يستميت لينزلك من مكانك، وقد يتسلق لأجل ذلك».

اللهم اغفر لعبدك الحبيب محمود، وارفع درجاته، واخلفه في عقبه، الفضلاء «مدحت» و«مازن»، والفاضلات «مي» و«مها و»مزن»، وأحفاد الرمز المكي الكبير، العم محمد سفر، وافسح له في قبره، ونور له فيه، وجازه خيراً عما قدمه لوطنه ولمن حوله، وأكرمنا بالوفاء، ووفقنا لحسن الالتقاط.