القدوة المدركة للحياة لا يمكن أن نقول إن وجودها بيننا مستحيل، ويمكن أن نقول إن إيجادها صعب بعض الشيء، ومع هذا فإن الباحث عنها سيجدها متجسدة في الذين لا يهتمون بالفرعيات والجزئيات الخلافية، وغير المغالين، وغير المتشددين، وغير الجامدين على ظاهر النصوص دون تكلف البحث عن روحها، الذين لا يظنون بالناس ظن السوء، والذين يسترون العيوب ولا يضخمونها، والذين لا ينظرون لمن حولهم أو لمن خالف منهجهم بنظرات دونية؛ فالناس اليوم تريد قدوات متوازنة ومبشرة، تحببهم في الحياة، وتنبههم إلى وجود حساب منتظر، وتريد قدوات غير جامدة التفكير، وقابلة في الوقت ذاته للمعتقدات المختلفة، والأفكار المتنوعة، غير متعصبة لرأي واحد، أو طاعنة في غيرها أو منتقصة لأحد، مهما كان فكره أو مذهبه، وبالطبع مهما كان دينه.
اليوم، الناس في غالبهم- ولله الحمد- مؤمنون بالحوار مع الآخر، وبحرية الأديان، وبأهمية عدالة التعامل مع المخالف، ولديهم كامل القناعة ببقاء غير المسلم في بلاد المسلمين، والعكس كذلك. هذا هو ما عليه غالب الناس اليوم أو هكذا ينبغي أن يكونوا، وبغيره سيستمر الجامدون على انغلاقهم العقلي، وستظل القدرات الذهنية عاطلة، ولن يتطور المجتمع، ولا المجتمعات الأخرى، والركود هو المصير المحتوم، والتفكير سيستمر في عجزه القديم، وحاله الذي تجاوزه الزمن، ورجعيته البالية، وربما عنفه المخبأ.
اليوم، ينبغي فهم أن الحفاظ على القدوات الناصحة خير نافع في نزع القداسة الدينية عن أصحاب المشاريع الهدامة، والأجندات الخبيثة، التي لا بد أن تتكاتف الأيدي، وتتعاون الجهود من أجل نزع أهدافهم من جذورها، وتجفيفها من منابعها. وهذا التعاضد ينبغي أن يمتد بين الهيئات الرسمية، وبين أفراد المجتمع المدني، من أجل إستراتيجية موحدة، تتجه نحو الاعتدال والوسطية وعدم العنف، وتسير بصدق نحو تعديل أمزجة الناس وعقولها، وجعلها أمزجة وعقولا تؤمن بالتعايش الإيجابي، والتوازن في كل شيء، وعدم الخوف من مراجعة المفاهيم وتصحيحها، بعيدة كل البعد عن التفاهات والتشكيكات والنعرات والتعصبات، صادقة في الوقوف ضد القبلية والمناطقية والتصنيفات الفكرية، مؤمنة في باطنها، وليس في ظاهرها فقط، بأن ازدهار الإثراء والنماء والتنمية لا تتأتى دون تمكين قدوات متنوعة في إرثها وتراثها، مفتخرة بقديمها وجديدها.