لم يكن وصول الأوروبيين إلى بلاد العرب بالأمر الهين الميسور، خاصة في القرن الخامس عشر حين كانت المنافسة التجارية على أشدها بين البحارة العرب والبرتغاليين للاستيلاء على تجارة الهند؛ ولكن وصول الأوروبي إلى بلاد العرب يومئذ أمر ممكن إذا ما قارناه بمحاولة الوصول إلى مكة وزيارتها، ومع ذلك فلدينا أنباء تفيد أن بعض الرحالين زار مكة نفسها في ذلك التاريخ.

وأقدم رحلة جرت الإشارة إليها، رحلة قام بها كابوت الأكبر - كما يقال. والمصدر الوحيد عن هذه الرحلة کتاب رسمی کتبه سفير دوق ميلان في لندن، جاء فيه أن كابوت ذكر خبر زيارته لمكة وتحدث فيها إلى تجار التوابل.

وقد حاول بعض الباحثين أن يرد هذه الدعوى وينكر أن يكون شيء من ذلك قد حدث؛ وحجته في ذلك أن وصول أوروبي مسيحي إلى مكة يعد ضربًا من المستحيل، غير أن دائرة المعارف البريطانية سجلت خبر هذه الرحلة في آخر طبعة لها، وذكرت -دون ترددـ أن كابوت زار مكة في أحد أسفاره، وأن مكة كانت يومئذ أكبر سوق يتم فيها تبادل البضائع بين الشرق والغرب. كابوت سافر إلى مكة متنكرًا كما فعل غيره من السابقين، وفي هذا ما فيه من مجازفة، ولكن ليست هذه هي الصعوبة الوحيدة التي تقف في وجه الرواية المتعلقة بالرحلة، ذلك أن ما دونه السفير يفيد أنه زار مكة أكثر من مرة؟ فما معنى هذا؟


إن كانت محاولة الوصول إلى مكة مرة واحدة من المخاطرة، فمن الحمق أن يحاولها رجل مسيحي أكثر من مرة، ثم هب أن في النسخة التي وصلتنا شيئًا من التعريف، فإن الخبر بعد كل ذلك لا يسلم من الاعتراض والتشكك. فقد ذكر السفير في كتابه أن کابوت رأى القوافل المحملة بالتوابل آتية إلى مكة، وسأل من ينقلونها: من أين جاءوا بها، فأجابوه بأنهم لا يعرفون مصدرها ولكنهم تسلموها من جماعة آخرين أتوا بها من بلاد بعيدة، وهؤلاء تسلموها من جماعة غيرهم جاءوا بها من بلاد بعيدة أيضًا، وهكذا، فاستنتج كابوت مما قالوه إنها من الشرق الأقصى، وتصور أنها تنقل من مصدرها الأصلي على ظهور الجمال وتقطع آسيا برًا؛ ولكن كل من يتحدث إلى التجار في مكة يستطيع أن يفهم منهم أن التوابل كانت تجيء بحرًا لا برًا، وأنها لم تكن تأتيها من بلاد بعيدة، بل كانت تنقل إليها على ظهور الجمال من جدة وهي على مسيرة يومين منها.

وإذا كان هناك شك حول ما يروى عن زيارة كابوت لمكة، فليس ثمة داع لمثل هذا الشك في زيارة بيرو دى كوفيلا لمكة والمدينة ـ كان كوفيلا رجلاً برتغاليًا يحسن اللغة العربية، سافر مرتين مبعوثًا إلى مراكش، ثم عهد إليه ملك البرتغال بتقصي البحث عن طرق التوابل. ويقول الفارس الذي كان قسيسًا مرافقًا لسفير البرتغال في الحبشة (1520-1526):

إن كوفيلا كان يعرف كل اللغات المسيحية والإسلامية والوثنية. وقد ألفى كوفيلا عصا التسيار في الحبشة بعد أن قضى أربه من الرحلة، ولم يسمح له بمغادرتها، فأفادت السفارة البرتغالية فيها من معرفته باللغة والعادات الحبشية، وهناك تعرف إليه الفارس، واتصل به اتصالاً وثيقًا؛ ولذلك تستطيع أن تتلق ما يقوله الفارس عنه في ثقة واطمئنان، لأنه كان رجلاً دقيق الملاحظة.

1949*

* باحث وكاتب فلسطيني «1920-2003»