أول ما تفتحت عيناي عليه كان قويًا صاخبًا بالحياة. ومرت سنوات، وهزل وانحنى، ومرت سنوات أخرى، ومشيت وراء النعش مذهولًا، لا أكاد أصدق أن العملاق النابض بالحياة يحمل جسدًا ضئيلًا، بعيدًا عن الحياة.

قيل لي حين بدأت أعي ما حولي: «أبوك في الستين»، ولم يكن الرقم يعني شيئًا لي حينئذ. وكبرت قليلًا، وأدركت أن الستين ترتبط في الأذهان بالشيخوخة، وأصبت بالحيرة. كان أبي تجسيدًا للعنفوان، فكيف يجتمع عنفوان وكبر؟! كانت خطواته تهز الأرض، وتبتلع الدرج قفزًا، كان منتصبًا كالرمح، كان أوسم من رأيت من الرجال.

وقبل أن يودع الدنيا بأيام كان لقائي الأخير معه، كان قد تجاوز التسعين، بدا كأنه يعتذر بالضعف عن الحيوية التي لازمت شبابه وكهولته، كان يتجلد أمام الزوار ويصمد، يجلس بكامل هيئته، يخشى أن تخونه الذاكرة، أو ينزلق لسانه بجملة لا معنی لها. وبين المشاهد الأولى والمشاهد الأخيرة تومض مواقف وقصص، في البداية لم يكن غير وجود مهيب (ومخيف أحيانًا)، أقف عندما يجيء، أقبل يده كلما رأيته، أنظر إلى الأرض وهو يحدثني، في النهاية، أصبح الصديق الوديع، ظل الوجود مهيبًا (ولم يعد مخيفًا) ظللت أقبل يده كلما رأيته. أتحدث إليه وعيناي لا تفارقان وجهه.

أذكر كيف علمني السباحة، كنت في ذلك الوقت في السادسة، كنا بمفردنا في البركة. كان يسبح، وكنت أتعلق على حافة البركة، نظر إلي وقال ببساطة متناهية:

- متى تنوي أن تسبح؟ لم يقل شيئًا غير هذا، لم يهدد، ولم يوبخ، ولم يلح، مجرد سؤال وبعد ذلك بساعات كنت أسبح.

كان هذا أسلوبه في التعامل: التلميح الذي لا يجرح، والإيماءة التي لا تحرج، لم يقل لي قط «صل!» ولكنه ظل في كل رسالة تقريبًا، يذكرني بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. لم يقل لي قط «ذاكر !».. ولكن فرحه بكل نجاح أحققه كان أوضح من أن يخفيه، لم يقل لي قط «حسن خطك !» ولكنني سمعته يقول عن أحد أقربائي بمسمع مني ليته يحسن خطه.

أهدى لي، وأنا على مشارف المراهقة، كتابًا دينيًا ضخمًا، وبعد ذلك بشهور أقبل عيد الفطر، وأعطاني «العيدية». قلت: هذه «عيدية» السنة الماضية نفسها، لم تزد!

ولماذا تزيد؟

لأنني أصبحت أكبر بسنة.

وهل تتوقع أن تكبر العيدية معك؟

نعم، لقد قرأت في الكتاب الذي أخذته منك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ما معناه: إن طمع ابن آدم يزيد كلما ازداد سنه.

صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ! ألم تقرأ في الكتاب شيئًا آخر؟ ألم تجد فيه شيئًا عن القناعة؟

قالها وهو يضحك ويضاعف «العيدية»..

ذات يوم، وأنا في ذروة المراهقة المغرورة، دخل مكتبه ليجدني فيه أتحدث بانفعال مع الساعي، سألني بهدوء:

لم تصرخ أثناء حديثك معه؟

لأنه غبي.

وهل هذا ذنبه؟ لو أعطي قدرًا من الذكاء أتراه كان سيرضى بالبقاء في موقع يتحمل فيه إهانات مثلك؟

عبر السنين ظلت كلماته تطن في أذني. كم تمنيت أن أقولها كلما سمعت رئيسًا «ذكيًا» يتذمر من مرؤوسه «الغبي».

كان يؤمن «باقتسام» الأشياء، حتى أصغر الهدايا كان يقتسمها مع الحاضرين، كانت طلبات الآخرين ترهقه. سألته مرة لم لا يتجاهلها، قال:

لا يا بني، اليد العليا خير من اليد السفلى عندما كنت أحضر أطروحة الدكتوراه، وأتبين لأول مرة أهمية الوثائق التاريخية، طلبت منه أن يُدون مذكراته، وعرضت عليه أن أتفرغ بعض الوقت لمساعدته، ولكنه رفض، وألححت عليه، في النهاية، قال:

هل تريدني أن أكتب ما يعرفه الناس جميعًا ؟ هذا لا قيمة له، هل تريدني أن أذيع أسرارًا هي عندي بمثابة الأمانات؟ هذا ما لا أستطيعه، هل تريدني أن أكذب؟

هذه الأيام، كلما قرأت مذكرات شخصية عربية، تذكرت موقفه من المذكرات، وترحمت عليه، وعلى الموقف.

كان أبي في حياته يعني أشياء كثيرة، ولكنني لم أدرك كل ما يعنيه، إلا بعد وفاته، كان معلمًا موهوبًا.

1988*

* كاتب وشاعر وسياسي سعودي «1940-2010».