إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر النثر، لا عصر الشعر، وليست مصر وحدها ولا العالم العربي وحده بدعًا في إيثار النثر على الشعر، فليس في فرنسا اليوم شاعر واحد يذكر بشعراء القرن السابع عشر أو التاسع عشر، لأن عصرنا عهد حركة وسرعة، ولا يفلح فيه إلا الكلام المرسل الطليق.
ولكن هذا لا يمنع من الإيمان بأنه لا تزال لدينا جوانب وجدانية تتشوف إلى التغني بالشعر البليغ، لأن الطبيعة لا تزال تتأنق في خلق دواعي الشعر، ولا يزال في الدنيا النجوم تتألق، وأزهار تتفتح، ولا تزال الأرض تذلل خدها لمن يمشي عليها من أسراب الظباء.
ومن واجبنا حين نفكر في إنهاض الشعر أن نسعى لربما نهضته بنهضة الغناء: فمن الإجرام الأدبي أن يكون عندنا مغن مثل: محمد عبدالوهاب ثم نتركه يتقمم الأغاني العامية، فيحييها بفنه على حين لا يجد الشعر الفصيح من يسمع به في رواية أو إنشاد، وإنه لغرم كبير أن تفقد اللغة الفصيحة تلك العذوبة الموسيقية التي يخلعها الغناء على القصائد الوجدانية...
إن شبان اليوم لا يعرفون الشعر ولا يتناشدونه، وتلك خسارة فادحة: لأن الذي لا يعرف الشعر لن يكون يومًا كاتبًا مجيدًا ولو لطخ وجهه بالمداد ! وبعد، فأمنيتى لدى منشئ مجلة «أبولو» أن يكون من أقسى الناس في اختيار ما يقدم إليه من الشعر، وأن يتحامى الانحلال الذي سماه قوم «التجديد، فإن التجديد ضلالة» تشبث بها الضعفاء ممن لا يصبرون على تكاليف النظم الرصين.
ليس في الشعر قديم ولا جديد، ولكن فيه مزيف وصحيح، كما قال أحد شعراء الأتراك، فلنجتهد دائمًا في إلهام شبان اليوم أن الشعر لا يزال فنًا، وأنه كسائر الفنون لا ينهض به إلا العبقريون وسبحان من لو شاء هدانا جميعًا إلى سواء السبيل.
1932*
* كاتب وأكاديمي مصري «1892 - 1952»