هذه الطمأنينة، وهذا السعي المحموم نحو الرفاهية والاستقرار، هو ما يسمى "الرؤى البرجوازية". إنها الحلم المبطن بالحرير الذي نركض جميعاً لندفئ أنفسنا به. لكن المتلازمة التي تطرق أرواح البعض منا: لماذا يشعرون باختناق صامت، وخواء غريب يتسرب إلى صدورهم، تماماً في اللحظة التي يمتلكون فيها كل شيء؟
علم النفس يحلل ما وراء الظاهر، ويفسر ما استغلق من خبايا السلوك الإنساني، ويلقي الضوء على زواياه المعتمة، لا ليفسد علينا متعة النجاح، بل يمسك بأيدينا برفق، ويفتح الستائر المخملية لنفهم ماذا يحدث خلف كواليس النفس البشرية، فهناك جانب مشرق من العقلية البرجوازية. النفس البشرية تكره الفوضى وتخاف من المجهول، وهذه الرؤية تمنح الإنسان "التهذيب". وهناك ما يسميه علماء النفس بـ "تأجيل اللذة"؛ أي أن تقاوم رغباتك اللحظية، وتعمل بجد، وتدخر لتبني مستقبلاً آمناً.
هذه العضلة النفسية الجبارة هي التي بنت الحضارات، وعبّدت الطرق، وشيدت الجامعات العريقة. البرجوازية، في جوهرها النفسي السليم، هي محاولة الإنسان الباسلة والجميلة لترويض وحش الحياة المخيف، وصناعة قوقعة آمنة يحمي بها من يحب.
لكن، وكأي صفقة دنيوية، هناك ضريبة مكتوبة بخط بالغ الصغر في أسفل العقد يدفعها مقابل ذلك. هي ثمن هذه الرفاهية يسميها الفيلسوف آلان دو بوتون "قلق المكانة، ففي العالم البرجوازي المادي، تبدأ قيمة الإنسان بالانسحاب تدريجياً من "من أنت؟" لتصبح "ماذا تملك؟". تخيل العبء النفسي المرعب لشخص يضطر كل صباح لارتداء قناع "الشخص الناجح والمسيطر". ومع الوقت يخلق هذا الكبت بداخلنا "الذات الزائفة". التي تتحول ببطء إلى تماثيل عرض أنيقة (مانيكان)؛ ملابسنا مرتبة، ابتساماتنا محسوبة، لغتنا مقولبة، لكننا من الداخل نختنق.
والأسوأ من ذلك، هو أن هذه المرحلة هي بداية الدخول في أزمة تسليع البشر. حين تصبح العلاقات عبارة عن صفقات، والزواج مشروعاً اجتماعياً للحفاظ على "البرستيج"، وقتها تتصحر أرواحنا وننسى كيف نضحك بعفوية، أو نبكي بلا خجل أو نتصرف بتلقائية أو نعبر عن دواخلنا بكل صدق وصراحة. إنها مأساة حقيقية للفرد حين يملك القدرة على شراء أثمن سرير في العالم، لكنه يفقد القدرة على النوم العميق؛ لأنه مشغول بمراقبة نظرة الناس إليه، فما هو الحل إذن؟ هل يكسر القفص؟
ليس المطلوب أبداً أن نمزق ثيابنا الأنيقة ونعيش في الكهوف لنثبت عمقنا الإنساني؛ فالرفاهية ليست خطيئة. الخطيئة الحقيقية هي أن نسمح لـ "الأشياء" أن تمتلكنا بدلاً من أن نمتلكها.
هناك مقولة بسيطة: "استمتع بالحرير، لكن لا تجعل منه مشنقة، مارس حياتك المريحة، وانجح واصنع ثروتك، ولكن احتفظ بزاوية صغيرة من "الفوضى العفوية" في روحك. تخلَّ عن هوس المثالية، وصادق أشخاصاً لا يضيفون لسيرتك الذاتية شيئاً سوى الضحك الصافي النابع من القلب، وتذكر دائماً أن قيمتك الحقيقية والأبدية تكمن في ذلك الشيء الذي سيتبقى منك ولا تفتقده فيما لو تجردت فجأة من وظيفتك، وأصدقاء المصالح، ودائرة الخدمات المقدمة لك. عِش كريماً وناجحاً ومرتاحا.. ولكن ابقَ حراً كطائر لا يغريه لمعان القفص وفخامته.