نحن الآن معي هنا في داخلي.. فلاحون يحرثون قنوات التليفزيون ويسقون بدموعهم أشتال الفيديو.. عمال أرقون.. أرقاء بلا عنق.. كتب عتيقة.. أجهزة إعلام.. هيئات تخطيط قومية بملاعق الخشب إياها، بقصعات الفخار إياها، بالليل المحيط -الأوقيانوس، نحن الآن.
نحن الآن معي هنا في داخلي زبد.. نراجيل.. سيارات أجرة قذرة.. مصابيح عمومية نسيها طاقم البلدية لذاكرة العسس، موانئ تتذكر وتبكي، تتذكر وتضحك.. تتذكر وتصمت إلى الأبد.
هنا لا نحن.. لا آن.. لا هنا، سياح يتورطون مرة واحدة ولا يعودون أبدًا، و«باي باي» بابتسامة صفراء، «باي باي» الموسوعة الأقل دقة من مهرج، الشعراء الأقل شعرًا من مخبر.. الصحف الأقل صحافة من حصيرة.. والمؤتمرات الأكثر يتمًا من يتيم فقد والديه في غارة جوية طازجة، فقد دموعه، فقد رعبه.. نحن الآن.
أعود قليلا أتريث كثيرًا من أجل الدقة محاولة أخيرة للفكاك من التعميم الحرج، لا فكاك.. لا فكاك، وردة مفترسة تمد مجساتها المعدنية إلى القلب.. القلب المتعب المريض الوحيد والأخير «ميشيل دبغي» بالمناسبة، شعب بوان بالمناسبة والآفاق الذي اسمه وصفته وطالعه أحمد بن الحسين المتنبي، لعبة.. ضربة العمر.. تكسب أو تخسر سيان الترجمات والأصول، الصمت والكلام، الهيولي والبراميل، سيان التعب جنونًا والجنون تعبًا.. نحن الآن.
على مفترق الطرق تصهل الأفعى، يخرج الخيالة من لوحات الزيت المغبرة ويقفون طابورًا أمام فرقة الإعدام، يوزع جنود الاحتلال حلوى على يتامانا، ويطلقون نيرانهم الرشاشة في الهواء المنعش، لنجد الوقت الكافي للسقوط مرة أخرى، مرة في الفراش ومرة على أحذية العسكر، نوزع الحلوى على شهدائنا ونرقص في الأعراس حتى ساعة متأخرة من الليل.
أذكر أيضًا ترعة الجري الدامي في المطارات، تلك الشبهة الوصمة، أذكر الاستهبال الواضح في سلوك البائع الصغير وخادم الفندق، أذكر الوحام الحيواني لدى تلك السيدة الدهشة: عربي وجنتلمان؟ أوه فانتاستيك، وأذكر الغوري والسعدان البسطيلة والمزمار ولم لا تسير الأمور كما ينبغي أن تسير؟.
يقبض الشعراء أجر قصائدهم، بعض الخطباء ألسنتهم وحقائب السونايت الموصلة بحذر شديد من التربة، لأن الشجرة من الشجرة، أيكمن السر هنا! تقلع أكواز الرمان فيما أمد يدي إلى مداها فترتجف، أمد قلمي إلى ورقته فيرتجف، هكذا تنضح معاني الهزات الأرضية لا في أرمينيا فحسب، بل في أصقاع الروح لدينا جميعًا.
ونحن الآن.. توقيت محلى على ساعات الوطن الخربة، ساعات على الوطن الخرب خراب على الساعات والوطن، أسئلة بلا إجابات.. إجابات بلا أسئلة.. نحن الآن فلسطينيون في المنفى.. شتات في الشتات.
1990*
*شاعر وكاتب فلسطيني (1939- 2014)