غدًا الإثنين هو يوم التروية، وبعده يوم الصعود إلى عرفات حيث الحج الأعظم، والمغفرة العامة لمن وقف الموقف العظيم، ولمن صام يوم عرفة، ممن لم ييسر الله -سبحانه- له الوقوف والحج، ورضي ببشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمغفرة، في حديث الصوم الصحيح، الذي يحاول البعض التشكيك فيه، بتقليعاتهم المعتادة، وتعليقاتهم المستفزة، الخالية من كل ما ليس له علاقة بفهم الراسخين من الفقهاء والمحدثين.

من أكثر دروس الحج متعة الدروس المتعلقة بجمال تنوع الآراء الفقهية المتعلقة بهذا النسك العظيم، وعن هذه النقطة تحديدًا يروي الإمام ابن حجر العسقلاني، أحد أبرز علماء القرن الثامن الهجري، في فصل العلم، عند تناوله موضوع الأخذ باختلاف الصحابة، رضي الله عنهم، في كتابه المسمى (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية)، عن عون بن عبدالله ابن عتبة، قَالَ: قال لي عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله: «مَا يَسُرُّنِي بِاخْتِلَافِ أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، النَّعَمِ لِأَنَّا إِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ أَصَبْنَا»، وعن قتادة أن عمر بن عبدالعزيز، رحمه الله، كان يقول: «ما سرَّني لو أن أصحاب محمَّد لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة»، وعن حميد الطويل، قال: قلت: لعمر بن عبدالعزيز: لو جمعت الناس على شيء؟، فقال: «ما يسرني أنهم لم يختلفوا، قال: ثم كتب إلى الآفاق أو إلى الأمصار ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم».

إن الاختلافات الفقهية أسباب للتيسير والتسهيل، وفي المذهب الواحد توجد اختلافات، ويمكن أن يعدل الإنسان عن القول الراجح إلى قول مرجوح لجلب مصلحة، أو درء مفسدة، أو دفع مشقة، ومقرر في الفقه «جواز تقديم القول الضعيف الذي جرى به العمل على القول الراجح»، ومقرر كذلك «جواز الإفتاء بالضعيف من الأقوال للضرورة، وتغير الأحوال».


يقول الشيخ ابن القيم في فصل (تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد)، في كتابه ذائع الصيت (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، وهو يتحدث عن تغيير الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: «هذا فصل عظيم النفع جدًا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالّة عليه وعلى صدق رسوله».

أختم بأن الحجيج كانوا بالآلاف، وأصبحوا اليوم يعدون بالملايين، والإبقاء على الأحكام التي تخالف مقاصد الشريعة، وتؤدي إلى مشقة وإعنات، مخالفٌ لروحها، ولو أردنا إبقاء الأحكام على ما كانت عليه، سنلحق الضرر بالناس، ونخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير.