«هل ينبغي أن يموت؟»
لم تحدد معالمه على نحو من التخصيص حين نقول:
«هل ينبغي أن يموت البطل »
ثم إذا به يتحول سؤالًا فلسطينيًا دقيق الدلالة على الانتماء، حين نضعه في الصورة الآتية:
«هل ينبغي أن يموت الأبطال بأكثر من رصاصة واحدة ؟».
وبين المرحلة الأولى والثالثة مسافة شاسعة قطعها الإنسان نفسه ليغدو بطلا، ثم لتتكاثر البطولات ليغدر کل إنسان (فلسطيني) من خلال بطولته راضيًا أن يعانق الموت، مؤمنًا أن كثرة الرصاص لا تكفل له عدة أنواع من الموت. وقد تبدو هذه الخطوات الثلاث تنازلًا مندرجًا، ولكنه تنازل من أجل الموت وحده. وفيما يتم هذا التنازل، يرتفع به الجانب الآخر من المعادلة الفلسطينية، أعني الاصرار على الحق. وهذا الواقع الفلسطيني ذو الطرفين (التنازل من أجل الموت والإصرار على الحق) هو الذي يغذي الأدب الفلسطيني، أو معظمه، في هذه المرحلة، ولست أدري ما يمنع من استمراره - في تطور مفهوم الموت والعلاقة به - ما دامت التنازلات بعيدة عن أن تكتنف مفهوم الحق نفسه. وحين يبلغ القاص أو الشاعر (الفلسطيني) هذا المستوى، نجد أن الإنسان لديه لا يقف في حلبة المصارعة إزاء الموت، وإنما يتخذ الموت لديه صورًا جديدة فيصبح صديقًا أو منقذًا أو جسرًا إلى هدف أو رابطة نضال أو اختيارًا ضروريًا أو ما شئت من تلك الصور التي تقتضيها المواقف المختلفة. وليس من الضروري أن يكون الموت «بطلًا» في كل قصة ولكن حضوره يصبح بمثابة العامل الكيميائي المساعد. فهو مائل «هنا وفي كل مكان».
على ضوء هذا كله يمكن أن نقرأ قصص الأستاذ علي زين العابدين الحسيني، بعنوان «خميس يموت أولًا»، لأنها تشمل محاولة لاستثارة مفهومات الموت المختلفة بالنسبة للفلسطيني، بحيث تخطت ـ في كل مرحلة - مجانية الموت أو جبروته وما ينشره من فزع أو إحرازه لتاج البطولة على نحو استعلائي. ففي القصة التي سميت بها المجموعة يعرف خميس أنه سيموت خلال لحظات، ولكنه يعتقد أن كل ثائر لا بد أن يواجه موته الخاص به، ولهذا نجده يحدث نفسه هامسًا: يجب ألا يموت الثوار دفعة واحدة. وتدرك سهيلة التي ربطت مصيرها بمصير خميس أن موتها الخاص بها آت ولا بد، لكن احتجاجها الوحيد على موت حبيبها هو: ينبغي أن يموت الأبطال بأكثر من رصاصة واحدة ؟.. مواجهة الموت مع خميس كانت أمنية لسهيلة، ولكن فرق الدقائق القليلة التي مكنت «خميس» من أن يموت أولا، جعل سهيلة أشد اطمئنانا إلى موتها الخاص بها، ويدها تغلف عينيه برفق وتتحسس الفجوات العميقة في صدره.
ومنطق الموت هو المنطق الوحيد الذي يصبح غير قابل للنقض، فالرجل الذي اتهم بالخيانة وأنه وشي للأعداء من (سلامة) فكرهه الناس، لم يمنوا عليه بالاعتراف بأنه مات، حتى حينما مات مؤديًا للواجب، محاولًا من خلال صبغة الدم أن يطمس معنى الخيانة في أذهان الناس وفي الواقع لم يكن خائنًا، وإنما كان الناس يقولون عنه دون مبالاة كلما جرى ذكره: «وقيل إنه مات».
وحين يفهم الأعداء هذا المنطق ويدركون مدى التلاحم الفلسطيني والموت، يجعلون الموت نفسه منة يجودون بها حينما يشاؤون: «لن تموت إلا إذا أطعت» لأن الموت كان ساعتئذ خلاصًا من العذاب الذي صبوه عليه: «آه يا جدتي، أوقفوني بعد أن قطعوا الحبل فجاة هويت على رأسي... ركلوا وجهي بأحذيتهم... قال واحد: فلتفكر في لعبة مسلية من أجل هذا، اقترب مني وجرح عنقي بخنجر حاد وقال: لن تموت إلا إذا أطعت: حملقت فيه في صمت؟.
ويقوي زين العابدين من التلاحم بين أبطاله وبين الموت حين يجعل بعضهم ذا حضور كحضور الموت نفسه فهذا (هو) - في قصة بهذا العنوان - كان هنا وفي كل مكان، بحيث لم يفتقده أحد، حضر أو غاب، وما ذلك إلا لأن (هو) رمز - من نوع غير عادي - لكل فلسطيني فقد أرضه وحرم شجرة البرتقال، فهو يجده في نفسه وفي أخيه وفي كل من حوله: عاش (هو) في كل مكان المدينة، عاش في معسكرات الشمال والشرق، وأقام في كل مستشفى، ونام في المقابر، ولم يحدث أن افتقده أحد، كان موجودا - بطريقة لا تصدق - في كل مكان، وبكيفية خارقة كان يراه من يفكر باللجوء إليه في اللحظة ذاتها. ولهذا السبب كان (هو) في خارج الأرض المحتلة وفي داخلها في آن معا، وكان إذا سأله أحد هل يذهب إلى الأرض المحتلة أجاب: «كيف يذهب الإنسان إلى المكان الذي هو فيه؟».
وحين يدرك الأعداء مدى التلاحم الفلسطيني والموت، يجعلون الموت نفسه منة يجودون بها حينما يشاؤون.
1974*
* باحث وكاتب فلسطيني «1920-2003»