لغة الأرقام هي البرهان الصادق في هذه الذكرى؛ فمنذ تولي سموه ولاية العهد، شهدنا قفزات لم تكن لتحدث في عقود. صندوق الاستثمارات العامة أصبح اليوم عملاقًا عالميًا بأصول تناهز الـ3.5 تريليونات ريال، مع طموحات معلنة للوصول إلى 10 تريليونات ريال بحلول عام 2030، ليصبح أضخم صندوق سيادي في الكوكب. والبطالة التي كانت هاجسًا وطنيًا هبطت إلى مستويات تاريخية عند 7%، مقتربة من المستهدف النهائي للرؤية، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية مساهمة قياسية وصلت إلى ما يتجاوز الـ50% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لأول مرة في تاريخ المملكة. كما لا يمكن غض الطرف عن القفزة الهائلة في سياحة المملكة التي استقطبت أكثر من 100 مليون زائر، ومشاركة المرأة في سوق العمل التي تجاوزت 35%، متخطية مستهدفات الرؤية قبل أوانها بكثير.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بقدر ما هي صدى «رؤية 2030» التي يقودها قائد «موهوب بالفطرة» لا يعترف بالمستحيل، ويؤمن بأن «همة السعوديين مثل جبل طويق». فعندما نشاهد صور قمم مجموعة العشرين (G20)، يتجلى الفارق بوضوح؛ فنجد أن سموه يقف بثقة وسط زعماء دول عظمى تجاوز أغلبهم الستين والسبعين عامًا، فمن كان في منتصف أعمارهم تقريبًا، برهن لهم وللعالم بأكمله أن القيادة الفذة لا تُقاس بالعمر، بل بحجم المنجز، وبمدى القدرة على قيادة التوازنات الدولية في ملفات الطاقة والسياسة والأمن العالمي بكل حنكة واقتدار.
هذا الذهول العالمي تجسد في تساؤل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لم يجد تفسيرًا لهذه الطاقة المتفجرة والعمل المتواصل إلا بسؤاله لسموه: «متى تنام؟»؛ وهو سؤال يختصر دهشة العالم من قائد يسابق الزمن ليصنع وطنًا لا يرضى إلا بالقمة، ويضع الخطط الملهمة للقيادات من حولنا لبناء شرق أوسط جديد، يكون هو «أوروبا الجديدة» كما وصفه سموه، محولًا المنطقة من ساحة للصراعات إلى وجهة للاستثمارات والابتكار.
أما قيادات المال والاقتصاد في «وول ستريت» والمراكز المالية الكبرى، فينظرون لسموه بوصفه «المبتكر الأول» في عالم السياسة والاقتصاد، القادر على تحويل الصحراء إلى مدن مستقبلية مثل «نيوم» بمشاريعها «ذا لاين» و«أوكساجون» و«تروجينا». إنهم يرون فيه الضمانة والمستقبل، القائد الذي استطاع ترويض الأزمات وتحويل التحديات إلى فرص استثمارية كبرى عبر خصخصة قطاعات حيوية وإطلاق مشاريع كبرى كـ«القدية» و«البحر الأحمر». إننا اليوم لا نحتفي بشخص، بل نحتفي بظاهرة أعادت للمملكة هيبتها الاقتصادية والسياسية، وجعلت من الشاب السعودي نموذجًا يُحتذى به في كل محفل، كشريك في بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، ومع هذا كله إلا أننا لا نزال في بداية أمجاد سموه، في (الذكرى التاسعة فكيف بالتسعين).