انتشر قبل مدة، عن الأمير الدكتور فيصل بن محمد بن سعد، وكيل إمارة منطقة مكة المكرمة المساعد للحقوق، في الوسائط الإعلامية، نقله لرواية جميلة، عن مستشار خادم الحرمين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، رواها له شخصيا، عن قصة حصلت بينه وبين سيدي خادم الحرمين الشريفين، عندما صدر أمر جلالة الملك فيصل بتعيينه أميراً لمنطقة عسير في 22/2/1391، قال، لم تكن عندي خبرة بأعمال الإمارة، فأحببت أن أستشير من له خبرة فيها، فما وجدت أفضل من الملك سلمان، وكان أميرا لمنطقة الرياض آنذاك، واستأذنته لمقابلته، وطلبت منه النصيحة، فنصحني بثلاث: «الأولى: اسمع من الرِّجال، ولا تسمع عن الرجال، والثانية: افتح بابك وقلبك للمواطنين، والثالثة: لا تفرح بزلة ولد الحمايل»، ويعلق الأمير فيصل، الذي يذكرني كثيرا بعلم ومحاسن ومكارم والده الأمير الدكتور محمد بن سعد بن عبدالرحمن؛ أحد مشايخي في الحديث النبوي، والمحقق والمدقق في علومه؛ بقوله، هذه كلمات تسطر بماء الذهب، وقد صدق؛ فالنصائح الثلاث، تستحق التوقف عندها، ويستحق كل ذي منصب مدني أو عسكري، ديني أو دنيوي، كبيرا كان أو غير ذلك، أن يُذكر بها، وأن يتذكرها، من أجل أن تكون طريقا لإثبات صدقه وإخلاصه، وأمانته وعدله..

النصيحة الأولى، «اسمع من الرجال، ولا تسمع عن الرجال»، لا تحتاج لتفسير، فهي دالة وبوضوح على ضرورة قيام من بوأهم الله المناصب بتنفيذ ذلك حرفيا، وضرورة عدم محاسبة غيرهم على ما يصلهم عنهم، بل على ما يرونهم ويسمعونه، بخاصة وأن «التبين والتثبت» فريضة ربانية، بنص سورة الحجرات: {..فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ..}.. والثانية، «افتح بابك وقلبك للمواطنين»، وتعتبر من أبرز المزايا التي يجب أن يتصف بها أهل المناصب العامة، وأن تظل موجودة، وأن تعود لسابق عهدها، وعدم التحجج بأن الزمن قد تغير، وأن المعاملات صارت إلكترونية، و»رفعنا وننتظر»، وغير ذلك من المثبطات عن استمرار التواصل المباشر بين الحاكم والمحكوم، التي أراها الطريق الأسهل للعمل على تخفيف المشكلات والتحديات، والباب الأيسر لتبادل الآراء والتعرف عن قرب على المعضلات الخاصة والعامة التي تواجه المواطنين في حياتهم، والكفيل الضامن لتحقيق السلم الاجتماعي، وتدعيم روح المواطنة والانتماء للوطن.. والثالثة، «لا تفرح بزلة ولد الحمايل»، وهو ما يمكن أن يسمى، الفرح بتصيد ورصد الأغلاط، وهذه شائعة ومشاهدة في الذين سماهم الشيخ ابن تيمية «الذباب»، قال: «بعض الناس لا تراه إلا مُنتقداً داءً، يَنسى حسنات الطوائف والأجناس ويذكر مثالبهم، فهو مثل الذباب يترك مواضع البرد والسلامة، ويقع على الجرح والأذى، وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج»؛ وأختم بأن هذه النصائح المنتشرة والمنشورة، ليس الغرض منها التسلية، فالمهم والأهم هو أن تكون على الأرض، وأن تمشي بين الجميع وعليهم.