استميح الشاعر يوسف الخطيب عذرًا إذا أنا جعلت مقدمته على ديوان «الوطن المحتل» منطلقًا لمقالي هذا دون أن استاذنه في ذلك، وأخص من تلك المقدمة فاتحتها التي حمل فيها بشدة على الموضوعية في تقييم الشعر وعلى النقاد الموضوعيين، ولا أتعرض لدراسته التحليلية لشعر شعراء الأرض المحتلة فإنها مقالة في النقد الموضوعي نفسه - حسبما أتصوره -، وإذا كان الأمر كذلك فإن حملة يوسف إنما يجب أن تتوجه في الواقع للذين يظنون أن الوسائل التصنيفية التي يتقنونها إنما هي وسائل موضوعية تجعل منهم نقادًا موضوعين (حتى كدت أسأل: أین هم النقاد الموضوعيون ؟). أما حملة يوسف على الموضوعية نفسها فمردها إلى إيمانه بأن المجال الأنسب لها هو النتاج الفكري لا الشعر، ولهذا يقول: (فحين عجز الفكر السياسي العربي عن أن يحلل النكبة علميًا وأن يحدد على أساسها موقفًا من تحديات العصر، وأن يخطط الطريق إلى الغد العربي المنشود، فقد ألقي بمسؤوليته تلك على الأدب عامة ثم على الشعر خاصة.. هذا على حين لم يقترب أحد منهم (أي النقاد) من ذلك التساؤل الضخم الحقيقي عن موقف الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفلسفي أي عن موقف الفكر عامة، ليس من النكبة في نطاقها الفلسطيني الضيق، بل من النكبة في نطاقها القومي الفسيح... ولا ريب في أن الكاتب محق حين يدعو إلى هذا التقييم العام الشامل لشتى شؤون النشاط الفكري في عالمنا كي نستبين المعالم السلبية والإيجابية في هذا الصعيد، ولكن ليس معنى ذلك أن تقصير الآخرين في الكشف عن موقف الفكر من زواياه المختلفة يجب أن يكون عذرًا للأدب كي ينجو من ذلك التقييم، بل إني لأرى أن إلحاح

الناس على تبين دور الأدب بالنسبة للنكبة إنما يكشف عما يتمتع به هذا الأدب من قيمة في نفوسهم، ومن دور فعال في المعركة، ومن صلة وثيقة بينه وبين قضايا الجماهير. ومثلما أنه ليس من الطبيعي أبدًا أن ينظر الموضوعيون (المزعومون) إلى الأدب وحده مستقلًا عن بقية مجالات الفكر، فمن غير الطبيعي أن يتصور الأستاذ الخطيب أن الأدب مجال مستقل عن الفكر، في عصرنا الحاضر، وإذا كان الأدب يختلف عن المجالات الفكرية الأخرى في وسائل التعبير فإنه يشاركها في أنه لا بد أن يحتوي «قيمًا» وأن يكون غائيًا، وأنه لا بد من أن يلتقي مع المجالات الفكرية، في النهاية، من حيث عمله على تطوير الإنسان، وما دامت للأدب قيم، وما دامت له غاية يسعى إليها، فإن «الموضوعية» أداة لا بد منها في النظر إليه، إذا أحسنا فهمها واستخدامها، ذلك لأن هذه الموضوعية هي الوسيلة لاختراق هذا الركام الكثير من الكم إلى النوع هي القدرة على التحليل والتعليل وعلى إبراز القيم الكامنة التي تفوت التذوق العابر، هي النظرة التي توجد القاسم المشترك بين الفئات المتفاوتة في أذواقها وثقافاتها هي الرجحان الذي يخفف من غلواء الانطباعية الذاتية في مجالي الإعجاب المطلق والذم المطلق، هي الكشف البصير من الخصائص المميزة، ومن دونها لم يكن (الناقد الموضوعي).. الشاعر يوسف الخطيب بمستطيع أن يستكشف الصلة بين محمود درویش ورمز الأم والصلة بين سميح القاسم ورمز الأب، وأن يميز ملامح القاسم القومية من ملامح درويش الوطنية، ولا ريب في أن يوسف قد عانى من القراءة والمراجعة والدرس والفرز، ومن ربط الشعر بالأرض وبنفسيات أصحابه وبمواقفهم الحزبية وبالأحداث السياسية، مما جعل دراسته لشعرهم نابعة من أصول سيكولوجية اجتماعية سياسية، وهذا وحده يمنحها شيئًا كثيرًا مما تحرص عليه الدراسة الموضوعية في التفهم والتقدير.

وحين يقول ناقد أو شخص ذو إحساس بالمسؤولية: (إن الشعر العربي لم يرتفع إلى مستوى النكبة)، فإنه في نظري لا يتهم الشعر جملة بالتقصير، ولكنا في ظروف المعركة مرهونون عاطفيًا - إلى حد كبير - بالمقارنة المخيفة بين الناحيتين العملية والقولية، رغم تعاونهما، وذلك يتم رغمًا عنا في أكثر الأحايين، ويوسف يدرك وهو شاعر ذو رسالة هادفة - أنه حين يتأمل كيف تكتب صفحات التاريخ بدم الثوار، يصبح لون الخير، مهمًا يكن حالكًا، ذا إشعاعات باهتة. أقول: إن مثل هذه المقارنة خطيرة وربما لم يكن له من داع يستدعيه لو اقتصر الأمر في إحدى ناحيتيه على الأدب النابع عن إخلاص عميق ووعي صحيح للقضية ولم يلتبس بما سماه يوسف (تلك المحاضرات الفكرية الجميلة الملقاة بين عطور السيدات.. تلك الخطب الحماسية التي بذت الشعراء... تلك المطارحات الإذاعية التي قصر عن مثلها الفرزدق وجرير»، وأزيد فأقول: وتلك الآثار الشعرية والنثرية التي تشبه غثاء السيل، والتي تمثل أحيانًا قدرة فذة على رصف الألفاظ وسذاجة فادحة في التصور وبعدًا عن واقع الأمة ومراميها، ولذلك كله كانت النظرة الموضوعية هي أصلح الوسائل التي تعين على تمييز الأدب الصحيح مما اختلط بالأدب وهو زيف کاذب.


1970*

* باحث وكاتب فلسطيني «1920-2003» .