استمعت مؤخرًا للمشاركات والآراء التي طرحت في «منتدى الإدارة المحلية» تحت رعاية أمانة منطقة الرياض، والذي نظمه مركز الإدارة المحلية بجامعة الأمير سلطان بالرياض، وكان من بين ما طرح من محاور مهمة تلك التي تتعلق بدور الأمانات في تشكيل الإدارة المحلية والتحديات التي تواجهها.

ومن الآراء التي استوقفتني كثيرًا

ما طرحه أحد المشاركين حول مقترح «إلغاء وزارة البلديات بالكامل، وإنشاء بلديات للمناطق تابعة لإمارة المنطقة»، زعمًا منه أنه يهدف لإلغاء الازدواجية الموجودة في كثير من الجهات المحلية.حقيقةً لا أراه سوى مقترح لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع ولا اتفق معه جملة وتفصيلا، ولا يمكن قبوله كحل لإلغاء الازدواجية والقضاء على التحديات القائمة المتعلقة بالبلديات والأمانات والأدوار المنوطة بها، إذ أن إلغاء الوزارة ليس هو الحل، بل الحل يكمن في تعزيز دور الوزارة وتفعيل اختصاصاتها، وتقويتها بالإصلاح والتجديد والتطوير، كمرجعية رئيسية وجهة مركزية لا غنى عنها للأمانات والبلديات.

كما أود أن أشير هنا إلى أن الأمانات والبلديات موجودة مسبقًا في المناطق والمدن، فلا حاجة لإنشائها كما ورد في المقترح، بل الواجب تعزيز دورها وتفعيل اختصاصاتها تحت مظلة الوزارة؛ وذلك منعًا لحدوث الازدواجية وغيرها من تحديات.

كما أن إلغاء الوزارة يخلق تفاوتًا كبيرًا وتباينًا في المعايير والتخطيط والتنفيذ وتقديم الخدمات، ولا يمكن ضبط بلديات المناطق المستقلة بدون وجود الوزارة كجهة مركزية تقوم عليها منظومة موحدة ومحكمة، تكون مرجعًا للأمانات والبلديات في المناطق والمدن، كما أن ذلك لا يتوافق مع رؤية السعودية 2030، التي تهدف إلى تحقيق نهضة تنموية وعمرانية ذات معايير جودة مثالية في جميع مناطق ومدن المملكة، الأمر الذي يتطلب وجود الوزارة كجهة تفرض على الأمانات والبلديات ما يحقق المستهدفات.

ولا بد من التأكيد على أن وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان تقوم بدور فعال لا يمكن التغاضي عنه، وقد مرت بمراحل عديدة، ولا يمكن الاستغناء عنها في إدارة المنظومة البلدية والعقارية والسكنية، وقد بذلت الوزارة جهودا تشكر عليها من خلال «أتمتة» و«رقمنة» خدمات عديدة عبر منصات إلكترونية؛ كان لها أثر إيجابي في إنجاز المعاملات بسهولة وسلاسة، الأمر الذي يتطلب من الجميع المزيد من الجهود للارتقاء بخدمات الوزارة، وتفعيل دورها وتطويرها لما لها من أهمية ودور إستراتيجي.

ورغم عدم اتفاقي مع المقترح «إلغاء وزارة البلديات» إلا أنه يثير تساؤلات عدة، ويدعو للنظر والتأمل والبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت لظهور مثل هذا الطرح، كما يعكس حجم التحديات والإشكالات القائمة والمتراكمة التي لا زالت تترك آثارًا سلبية وأضرارًا كبيرة في ظل عدم وجود حلول جذرية، والتي كان من المفترض إيجادها مع مرور ثمان سنوات على إطلاق رؤية السعودية 2030، التي منحت جميع القطاعات والجهات نقطة انطلاق نحو آفاق المستقبل، ولم تدع لأي قطاع أو جهة عذرًا في التخلف عن تحقيق المستهدفات وتلبية المتطلبات وإيجاد الحلول للمشاكل والتحديات.

وفي ضوء واقع الوزارة من الناحية البلدية والعقارية والسكنية؛ يمكننا القول إنها لا زالت تحتاج إلى وقت وإمكانيات لتجسيد الدعم الحكومي اللامحدود للقطاع البلدي والعقاري والسكني على أرض الواقع كما هو المأمول، لوجود عوائق وتحديات عديدة ومن أبرزها «الازدواجية وتداخل الاختصاصات بين الجهات، وعدم وجود توازن وتوافق بين النمو السكاني والنمو العمراني»، كما أن شح المعروض من المنتجات العقارية تسبب في اتساع الفجوة بين العرض والطلب، وبالتالي عدم توازن الأسعار في السوق العقاري، كذلك تأخر تنفيذ المشروعات السكنية وتعثرها بسبب مشاكل متعلقة بالتطوير العقاري، ومن الأسباب الجوهرية تراكم مشاكل التمويل العقاري، والتي أضرت بالمستفيدين.

في ضوء ما سبق يمكنني القول بوضوح إن المنظومة البلدية والعقارية في المملكة، ممثلة في وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، بحاجة ماسة إلى هيكلة جديدة والتجديد والتطوير وفق إستراتيجية محكمة توازي حجم السوق العقاري السعودي، وتكون شاملة لجميع الفئات المكونة للمنظومة العقارية والسكنية «الجهات ذات العلاقة، المستفيدين، التطوير العقاري، التمويل العقاري، المنتجات العقارية والسكنية»؛ وتكون بمثابة خارطة الطريق لحل الإشكالات القائمة وتصنع نموذج عمل مرن ومستدامًا في ضوء معايير ومستهدفات رؤية 2030، وكي لا تظهر أصوات في المستقبل تطالب بتهميش دورها ونزع صلاحيتها الأساسية الإشرافية، وتقلل من دورها الريادي في المنظومة البلدية والإسكانية.