يولد الإنسان باكيًا، إن لم يبك أسرع الطبيب لإسعافه، عدم بكائه يعني أنه ليس بخير!

البكاء لا يعني السوء دائمًا. حينما يبكي المولود يعني أن رئتيه تمددتا بالهواء وامتلأتا بالأكسجين. شهقة بكاء الوليد الأولى بشارة الوصول بالسلامة، فينصرف الطبيب تاركًا المولود على صدر أمه، حيث تستقر علاماته الحيوية، ويشعر أنه خرج منها ليصل إليها وينعم برفقتها آمنًا مطمئنًا.

في أيامه الأولى تلاحظ الأم ابتسامة ساحرة على ثغر مولودها أثناء نومه، فتظن - كما كثيرون - أن الملائكة تداعبه، فإذا رأت ضحكته اعتقدت أنه يرى شيئًا جميلًا، أو همست له الملائكة بخبر سار. أحيانًا ترتسم علامات البكاء على وجهه بانقلاب شفتيه وانقباض عينيه، فتسترجع معتقدًا قرأته عن إخبار الملائكة لطفلها بموت أمه أو أبيه، فتتعوذ من ذلك وتدعو الله أن يعيشا العمر كله له. في أحد المعتقدات، (الملاك غزيل) تحديدًا هو المسؤول عن تعابير المولود، تارة يُضحكه وأخرى يُبكيه. الحقيقة من الممكن أن يضحك المولود في أيامه الأولى، ولكنها ضحكة غير (اجتماعية) وليست مرتبطة بموقف أو حدث أو إحساس. هي حركة غير إرادية بانبساط عضلات الوجه فيبتسم، وحينما تنقبض تبدو عليه علامات البكاء، وإن لم يبك. هذه حركات ناتجة عن استجابات غير واعية من أدمغة حديثي الولادة، تحدث غالبًا وقت النعاس، وربما تحدث في دورة النوم خلال مرحلة حركة العين السريعة. عادة الذكور يبتسمون أكثر من الإناث وهذا لا يعني أنهم أكثر مرحًا!

المولود الأول أكثر ابتسامًا من غيره ولا عجب في ذلك، إذ إن الأم الجديدة عادة ما تقضي قرابة 80 % من وقتها في النظر لصغيرها خلال أيامه الأولى، فستلاحظ كل تفاصيله. من السحر أن تبقى للابتسامة سرها، وللناس مخيلاتهم، فما بين ما يعتقده العامة وما يكشف عنه العلم هناك حقائق مجهولة قابلة للتأويل، كلٌ حسب علمه، معتقده وحدود مخيلته. فماذا لو علمنا أن الأجنة في أرحام أمهاتهم أيضًا يبتسمون منذ أسبوعهم 23! أعتقد لأنهم لم يسمعوا بعد بمقولة (أن الضحك بلا سبب قلة أدب!) المنسوبة لإنسان نكدي.

يبدأ الرضع في الضحك عادة ما بين عمر 3-4 أشهر، ونسمي هذه الابتسامة أو الضحكة بـ (الاجتماعية) فالضحك يحدث خلال ساعات استيقاظه، لأنها نتيجة تفاعل أو استجابة لتجربة حسية كرؤيته وجه أمه وضحكتها، أو رؤيته وجوه آخرين من حوله تبتسم له. الطفل اجتماعي بطبعه، وبالطريقة ذاتها من الممكن أن يبكي إن سمع أو رأى ما يخيفه.

يعتقد الباحثون أن الضحك لهؤلاء الرضع أثناء النوم، علامة على تطور مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية، وقد يكون الضحك أثناء النوم أيضًا وسيلة للأطفال لمعالجة وممارسة المشاعر التي يعيشونها خلال صحوهم، الضحك هو إحدى الطرق للتخلص من التوتر.

بعد بلوغ النصف الثاني من السنة الأولى من العمر يبدأ الطفل في القهقهة تعبيرًا عن سعادته، ويتفاعلون مع عائلتهم والمقربين، ولكنهم لا يشعرون بالراحة مع الغرباء فلا يتبادلون معهم المرح. وبعد إتمام السنة يجدون كل ما يخرج عما يألفونه مضحكًا وجذابًا، يشعرون بتأثير ضحكاتهم ويفهمون تفاعل الآخرين معهم فتزداد ضحكاتهم.

الضّحك والتبسّم سلوك اجتماعي يعكس شعور الطفل بالرّاحة وله منافع كبيرة لصحته البدنية والنفسية ونموّه. الطفل المرح ينام بشكل أفضل، ومناعته أقوى وذكاؤه أعلى. سحر الابتسامة يكمن في أنها معدية فمن المستحيل أن ترى طفلًا يضحك لك ولا تبادله الضحك، ولا يمكن أن تبتسم لطفل ولا يبتسم لك ابتسامة تتسع كلما استغرق بالتحديق فيك.

إذا رأيت طفلاً لا يبتسم فأعرف أن المشكلة في والديه، فالطفل اجتماعي بفطرته وأبواه مسؤولان عن تطور هذه الفطرة او طمسها.