في ظل توجه وزارة التعليم نحو توحيد السياسات التعليمية، وتحديث المناهج، وتطبيق تقويم موحد، يبرز تساؤل تربوي واجتماعي مهم: لماذا تختلف إجازة طلاب التعليم العام (المدارس) عن طلاب المرحلة الجامعية، على الرغم من تبعيتهم للجهة نفسها؟ طلاب التعليم العام في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية يحصلون على إجازة صيفية لا تتجاوز الشهرين، بينما يتمتع طلاب الجامعات بإجازة قد تصل إلى ثلاثة أشهر أو أكثر، ما يخلق فجوة زمنية تربك الأسر، وتثير تساؤلات حول جدوى هذا التفاوت. فهل الفارق الكبير في طول الإجازة مبني على أسس تربوية واضحة، أم هو نتاج اجتهاد إداري لم يُراجع بجدية بعد تطبيقه؟

ولماذا تراجعت 10 جامعات حتى الآن عن تطبيق نظام الفصول الثلاثة وعادت لنظام الفصلين الدراسيين؟ وهل طلاب الجامعات في حاجة فعلية إلى إجازة بهذا الطول مقابل تقييد طلاب المدارس بفترة أقصر، على الرغم من فارق السن والاحتياجات النفسية؟

وإليكم بعض التأثيرات المباشرة في الأسرة والمجتمع مما يحدث:


1. اختلال التوازن الأسري: في كثير من البيوت السعودية، يكون أحد الأبناء في المدرسة والآخر في الجامعة، ما يعني أن الأسرة تعاني صعوبة التخطيط للسفر أو المشاركة في البرامج الصيفية بسبب اختلاف الجداول الدراسية.

2. ضياع فرص الاستفادة من الصيف: الفراغ الطويل لطلاب الجامعات لا يُستثمر غالبًا بالشكل الأمثل. ومع غياب الخطط الصيفية المنظمة من قِبل الجامعات، يضيع الكثير من الوقت في التسلية أو النوم أو الأنشطة غير المنتجة.

3. غياب التدرج المنطقي في منح الإجازات: منطقيًا، الفئات العمرية الأصغر هم الأَولى بفترات راحة أطول نظرًا لحاجتهم النفسية والذهنية للراحة، بينما الفئات الأكبر (الجامعية) يمكنها تحمل فترات دراسية أطول مع فواصل زمنية أقصر.

ولنا أن نسأل أيضا: أين نحن من التجارب الدولية؟ التي يمكن لوزارة التعليم أن تستفيد منها، فدول مثل فنلندا وكندا وألمانيا تمنح الإجازات وفق رؤية موحدة تراعي التدرج العمري، والاحتياجات النفسية والتعليمية، مع إتاحة فترات راحة متوازنة وهادفة (عادة ما تكون بين 8 و10 أسابيع صيفًا).

وتُستثمر تلك الإجازات بشكل مدروس من خلال برامج تدريبية، وخدمة مجتمعية، ورحلات ميدانية، وتُعد الإجازة نفسها جزءًا من الخطة التعليمية لا فراغًا منها.

البُعد الاقتصادي والوظيفي الفارق في الإجازات لا يُربك الأسر فقط، بل يمتد تأثيره إلى سوق العمل المؤقت، والأنشطة الاقتصادية الصيفية، والقطاع السياحي، فصعوبة جدولة البرامج الترفيهية والتعليمية بشكل يخدم الأسرة بأكملها يؤدي إلى تراجع كفاءة استثمار الإجازة، وخلق حالة من الفوضى التنظيمية على المستوى المجتمعي، ولكن ما الذي يمكن فعله؟

إن إعادة النظر في توزيع الإجازات الصيفية بين مراحل التعليم ليست مسألة رفاهية أو ترفا تنظيميا، بل مطلبا واقعيا له تأثير مباشر في جودة الحياة الأسرية، وكفاءة النظام التعليمي، وفاعلية استثمار أوقات الطلاب.

ومن الإجراءات الممكنة:

1. إعادة هيكلة التقويم الدراسي بما يضمن تقارب مواعيد الإجازات بين الجامعات والمدارس.

2. توحيد المدة الزمنية للإجازة الصيفية أو على الأقل تقليص الفجوة إلى حدود منطقية تحقق التوازن المطلوب.

3. العودة إلى نظام الفصلين الدراسيين بدلا من الثلاثة، إذ إن هذا النظام يُسهم في استعادة توازن الإجازة الصيفية، ويُقلل من التشظي الزمني في العام الدراسي، ويُوفر بيئة أكثر استقرارًا للطلاب والأسر، ويعزز من فرص استثمار الصيف في برامج تربوية ومجتمعية هادفة، ولأن نظام الفصلين متجذر في الثقافة التعليمية والتقاليد الاجتماعية، مما يجعله مألوفًا ومستقرًا للطلاب وأولياء الأمور والمعلمين. ومن ناحية الفعالية التعليمية، يسمح نظام الفصلين الدراسيين بتغطية شاملة للمناهج الدراسية، وترسيخ المهارات والقدرات، وتوفير الوقت الكافي للتقييم. كما يُسهّل تبسيط التقويم الدراسي، وإدارة الموارد بكفاءة.

4. إشراك الأسر والمعلمين والطلاب في استطلاعات الرأي، لتحديد الأنسب من حيث الجدولة الزمنية والتأثير الأسري والتربوي.

وفي دراسة أجرتها في دولة الإمارات العربية المتحدة صحيفة «الإمارات اليوم»، التي سبقتنا في تطبيق نظام الفصول الثلاثة بسنوات عدة، أعرب %88 من العينة التي شملتها الدراسة، والتي بلغت 54000 شخص، عن عدم رضاهم عن هذا النظام، ورغبتهم في العودة إلى النظام القديم.

وخلال لقاء أعضاء جمعية كتّاب الرأي، وكنت أحدهم، بوزير التعليم قبل أشهر عدة، كرر ما قد صرح به سابقا، وهو «الوزارة تعمل على تقييم تجربة الفصول الدراسية الثلاثة وفق أسس علمية تربوية بالشراكة مع المعلمين والمعلمات والأسرة والجهات ذات العلاقة». وأضاف: «الوزارة ستعلن نتيجة هذه الدراسة بعد الانتهاء منها»، ونحن في انتظار هذه النتائج.

وفي الختام، الإجازة الصيفية ليست مجرد استراحة، بل فرصة تعليمية واستثمار مجتمعي يجب أن تُدار بحكمة وعدالة. ومعالجة هذا التفاوت لا تتطلب موارد إضافية بقدر ما تحتاج إلى رؤية شاملة متزنة، تضع الطالب والأسرة في قلب القرار، وتراعي التناغم بين التعليم والحياة الاجتماعية للأسرة السعودية.