إدارة ترمب
ورغم وضوح الممارسات الإسرائيلية، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعم حكومته دبلوماسيًا وعسكريًا لتل أبيب. ففي عام 2024 وحده، قدمت واشنطن مساعدات إضافية بقيمة 8.7 مليارات دولار، بجانب الدعم السنوي المعتاد البالغ نحو 4 مليارات. كما سرّعت إدارة ترمب عمليات تسليم السلاح في مارس 2025.
والمؤسسة التشريعية لم تكن أكثر حذرًا، إذ رفض مجلس الشيوخ مشروع قانون يهدف إلى وقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، وسط تأييد جمهوري واسع. وهذا الإصرار على الدعم يُنظر إليه باعتباره تغاضيًا سياسيًا عن جرائم حرب تضر بالمصالح الأمريكية نفسها.
التداعيات الأمنية
وتحذيرات الاستخبارات الأمريكية السابقة تشير إلى أن استمرار الحرب على غزة يضاعف مخاطر الإرهاب ضد الأمريكيين. والمديرة السابقة للاستخبارات الوطنية، أفريل هاينز، أكدت أن تداعيات الحرب قد تمتد «لأجيال»، حيث ارتبطت بالفعل هجمات محلية داخل الولايات المتحدة بالصراع في غزة.
ووفق خبراء أمنيين، فإن اقتراح ترمب «السيطرة الأمريكية على غزة» لن يؤدي سوى إلى رفع معدلات تجنيد الإرهابيين عالميًا، وتوسيع دائرة العنف المناهض للولايات المتحدة.
والخطر الثاني يتجلى في التورط العسكري المباشر. فقد دفعت التطورات في غزة واشنطن إلى المشاركة في ثلاث جبهات رئيسية:
• حرب جوية ضد الحوثيين في البحر الأحمر كلّفت نحو 7 مليارات دولار، وجاءت ردًا على استهداف سفن شحن.
• مواجهة مباشرة مع إيران في أكتوبر 2024 عقب غارات ردًا على اغتيال قادة من حزب الله وحماس.
• هجوم وقائي على إيران عطّل محادثات بشأن برنامجها النووي، مما عمّق عزلة الولايات المتحدة الدبلوماسية.
الحسابات الأخلاقية والإستراتيجية
وفي كثير من الأحيان، تتناقض الاعتبارات الأخلاقية مع الاستراتيجية في السياسات الدولية، غير أن حالة غزة تمثل استثناءً واضحًا: فالممارسات الإسرائيلية تشكل جريمة إنسانية، وفي الوقت ذاته تضر بشكل مباشر بالمصالح القومية الأمريكية.
وتقديم الدعم غير المشروط لإسرائيل لا يمنح واشنطن مكاسب إستراتيجية ملموسة، بل يضعها في قلب أزمات متفجرة مع أطراف إقليمية كإيران ولبنان وسوريا. كما يسهم في تأجيج موجات العداء الشعبي والدولي تجاه السياسات الأمريكية، وهو ما يضعف مكانتها كوسيط أو قوة ضاغطة في أي تسوية محتملة.
الدعم الشعبي
وانعكست هذه التناقضات على الرأي العام الأمريكي. استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى انخفاض ملحوظ في دعم المواطنين للحرب الإسرائيلية في غزة، مع تنامي الأصوات التي ترى أن المساعدات الضخمة الموجهة لتل أبيب تُهدر على صراع خارجي لا يخدم المصالح الوطنية.
لذا تشير جميع المعطيات إلى أن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل في حرب غزة يمثل خيارًا مكلفًا على المستويين الأخلاقي والاستراتيجي. فبينما تواجه واشنطن اتهامات بتواطؤها في انتهاكات إنسانية واسعة، فإنها في الوقت نفسه تدفع ثمنًا باهظًا في صورتها الدولية وأمنها القومي. وغزة باتت اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الولايات المتحدة على الموازنة بين التحالفات القديمة وحماية مصالحها في عالم يزداد اشتعالًا بالصراعات.
تصاعد الأزمة
وتشير تقارير وزارة الصحة في غزة إلى مقتل أكثر من 60 ألف شخص منذ بدء الحرب، مع تقديرات بأن العدد الحقيقي قد يتجاوز ذلك بكثير. إلى جانب الخسائر البشرية، يعاني القطاع من انهيار إنساني شامل، حيث يواجه السكان المجاعة الجماعية. كما حذرت الأمم المتحدة من أن الأطفال يتصدرون قائمة الضحايا نتيجة الجوع والأوبئة، ما يجعل الأزمة تتخذ طابعًا كارثيًا يتجاوز مجرد صراع عسكري.
وتفاقم الوضع بعد استخدام إسرائيل التجويع كسلاح حرب، وهو ما يخالف اتفاقيات جنيف. فقد سمحت بدخول كميات محدودة من الغذاء عبر مقاولات أمنية أمريكية وبإشراف الجيش الإسرائيلي، لكن هذه المراكز تحولت إلى «مصائد موت»، حيث قُتل أكثر من ألف شخص أثناء محاولتهم الحصول على حصصهم الغذائية في مناطق قتال نشطة.
خطط التهجير
وإلى جانب المعاناة الإنسانية، تكشف السياسات المعلنة من الجانب الإسرائيلي عن توجه واضح نحو التهجير القسري لسكان غزة. ففي مايو2025، صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي على خطة تتضمن إعادة توطين مليوني فلسطيني خارج القطاع. والطروحات تراوحت بين حصرهم في «مدينة إنسانية» صغيرة في رفح، أو نقلهم إلى دول ثالثة مثل إثيوبيا أو إندونيسيا أو ليبيا.
وهذه الإجراءات لا تعدو كونها محاولة مكشوفة للتطهير العرقي، الأمر الذي دفع منظمات حقوقية دولية وإسرائيلية وعلماء بارزين في دراسات الهولوكوست إلى توجيه اتهامات صريحة لإسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية.
• مقتل أكثر من 60 ألف شخص في غزة، مع تحذيرات من مجاعة جماعية خاصة بين الأطفال.
• إسرائيل متهمة باستخدام التجويع كسلاح حرب مخالف للقانون الدولي.
• خطط إسرائيلية معلنة للتهجير القسري لسكان غزة نحو رفح أو دول ثالثة.
• إدارة ترمب قدمت مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 8.7 مليارات دولار عام 2024، بجانب الدعم السنوي المعتاد.
• مجلس الشيوخ رفض مشروعًا لوقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل.
• تحذيرات استخباراتية من أن الحرب ستؤدي إلى زيادة الإرهاب وتوسيع موجات العداء ضد أمريكا.
• انجرار الولايات المتحدة لثلاث جبهات عسكرية مرتبطة بغزة: الحوثيون في البحر الأحمر، مواجهة مع إيران، وهجوم وقائي على طهران.
• الدعم الأمريكي لإسرائيل يفتقر إلى مكاسب إستراتيجية ويقوّض صورة واشنطن الدولية.
• الرأي العام الأمريكي يُظهر تراجعًا واضحًا في دعم الحرب الإسرائيلية.
• الأزمة في غزة تُبرز تلاقي البعد الأخلاقي والإستراتيجي معًا ضد استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل.