ورغم التقدم الملحوظ في دعم المرأة وزيادة مشاركتها في سوق العمل، يكشف تحليل مقارن لسياسات إجازة الأبوة بين السعودية ودول عالمية متقدمة عن فجوة ضخمة تصل إلى نحو 30 ضعفًا، ما يستدعي مراجعة نظام العمل الحالي ليتواكب مع طموحات المستقبل في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مستدام.
فجوة الأيام
تنص المادة 113 من نظام العمل السعودي على منح الأب العامل إجازة أبوة مدفوعة الأجر لمدة 3 أيام عند ولادة مولود، تُمنح خلال الأسبوع الأول من تاريخ الولادة. ورغم أن هذه الخطوة تمثل تقدمًا نحو الاعتراف بدور الأب، إلا أنها تبقى من بين الأقصر على مستوى العالم.
في المقابل، تمنح الموظفة إجازة أمومة مدفوعة الأجر لمدة 10–12 أسبوعًا وفق المادة 151 من النظام ذاته، ما يخلق فجوة واضحة بين الدعم المقدم للأم والأب في مرحلة ما بعد الولادة الحرجة، ويعزز الأنماط التقليدية في توزيع أدوار الأسرة.
معايير التمكين
تشير بيانات تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن متوسط مدة إجازة الأبوة المدفوعة في دول العالم ودول الـOECD تبلغ 12.7 أسبوعًا (89 يومًا)، بينما توفر 35 دولة من أصل 38 شكلًا من أشكال الإجازة المدفوعة للآباء.
هذه الإجازات لا تُعد رفاهية اجتماعية فحسب، بل أداة فعالة لتعزيز المساواة بين الجنسين في سوق العمل وتشجيع الآباء على المشاركة في المسؤوليات الأسرية، بما يدعم استمرار المرأة في مسارها المهني وتقليل فجوة الأجور المرتبطة بالأمومة.
تجارب عالمية
تتصدر اليابان قائمة الدول الرائدة بـ31.1 أسبوعًا أي 218 يومًا مخصصًا للآباء، تليها كوريا الجنوبية بـ29.8 أسبوعًا 209 أيام، ثم لوكسمبورغ 29 أسبوعًا 203 أيام، وفنلندا 28 أسبوعًا 196 يومًا.
وتقدم إسبانيا إجازة أبوة مباشرة طويلة تصل إلى 16 أسبوعًا 112 يومًا مدفوعة بالكامل. هذه التجارب تؤكد أن الإجازة الأبوية الطويلة والمهيكلة بعناية هي استثمار إستراتيجي في رأس المال البشري، يعزز استقرار الأسرة ويزيد من مرونة سوق العمل.
في إسبانيا، أسهم تمديد إجازة الأبوة في رفع معدلات عودة النساء إلى العمل بعد الولادة، فيما أدت المشاركة الواسعة للآباء في اليابان وكوريا الجنوبية إلى تقليص الفجوة بين الجنسين وتعزيز استقرار الأسرة وتحسين النتائج التنموية للأطفال.
الأثر الاقتصادي
تشير الدراسات الحديثة إلى أن كل أسبوع إضافي للأب يعود بفوائد ملموسة على الإنتاجية الوطنية. فمشاركة الأب في الرعاية المبكرة تقلل الضغط النفسي على الأم، وتساعدها على العودة للعمل بشكل أسرع وأكثر تركيزًا، وهو ما ينعكس على زيادة الناتج المحلي الإجمالي ويقلل «عقوبة الأمومة» (Motherhood Penalty).
مع السعي لرفع نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، يصبح توسيع إجازة الأبوة أداة إستراتيجية أساسية لتحقيق هذا الهدف. كل يوم إضافي للأب يقارب المهد يُترجم إلى دعم مباشر لمساواة الفرص، وتمكين الأسرة، وتحقيق اقتصاد أكثر شمولًا واستدامة.
بعد اجتماعي
تتجاوز آثار إجازة الأبوة الطويلة الأبعاد الاقتصادية لتشمل الجوانب الاجتماعية والنفسية. فمشاركة الأب منذ الأيام الأولى في رعاية الطفل تحسن التطور المعرفي والعاطفي للأطفال، وتعزز الترابط الأسري، وتقلل الضغوط على الأم.
كما تدعم مشاركة الأب ثقافة المشاركة المتساوية في الأسرة وتحد من الأنماط التقليدية التي تحصر دور المرأة داخل المنزل. يمثل توسيع إجازة الأبوة خطوة عملية نحو مجتمع حيوي ومتوازن يضمن جودة حياة أفضل لجميع أفراد الأسرة.
نهج متدرج
يرى عدد من خبراء الموارد البشرية والسياسات الاجتماعية بتبني نهج تدريجي لتوسيع إجازة الأبوة في السعودية منها:
رفع مدة الإجازة إلى أسبوعين مدفوعة الأجر كخطوة أولى، مع خطة للوصول تدريجيًا إلى المتوسط العالمي.
وضمان الأجر الكامل لتقليل العائق المالي أمام الآباء.
وإطلاق حملات توعية لترسيخ ثقافة تقاسم مسؤوليات الرعاية بين الوالدين.
وتحفيز القطاع الخاص على اعتماد سياسات داعمة للأسرة ضمن معايير التميز المؤسسي.
هذه الخطوات تؤكد أن إجازة الأبوة ليست رفاهية اجتماعية، بل استثمار اقتصادي وإستراتيجي في الأسرة السعودية واستدامة النمو الوطني.
أكثر 15 دولة عالميا في إجازة الأبوة المدفوعة
الدولة أسبوع يوم
1 اليابان 31.1 218
2 كوريا الجنوبية 29.8 209
3 لوكسمبورغ 29.0 203
4 فنلندا 28.0 196
5 فرنسا 27.6 193
6 ليتوانيا 27.4 192
7 النرويج 27.0 189
8 أيسلندا 26.0 182
9 السويد 25.0 175
10 إسبانيا 22.1 154
11 البرتغال 20.0 140
12 بلجيكا 19.5 137
13 نيوزيلندا 18.0 126
14 سلوفاكيا 17.6 123
15 إستونيا 17.0 119