في الأساس لا تعارضَ بين الرجلين، فهما صديقان وحليفان ولطالما كانا متفقَين فيما هو معقول وغير معقول في الولاية الأولى لترمب. لا تستوقفهما أي قيم ومبادئ إنسانية، ولا مسائل تتطلب احترام الشعوب ومصائرها أو العطف على أهل غزة إذ تجرف الأمطار خيامهم أو لأن إسرائيل تمنع إدخال مستلزمات الإيواء وتقنن توفير الأغذية والأدوية والوقود، فهذه شؤون وجرائم تضمن فيها واشنطن لإسرائيل حصانة من الإدانة. لكن المشكلة أن ترمب يجد حاليا في نتنياهو «حليفا» ينافسه في الأطماع، ويطالبه بأن يغلب مصالح إسرائيل على مصالح «أمريكا أولا»، وقد يخرب «اتفاق غزة» كما فعل ويفعل يوميا. هناك توقعات كثيرة داخل إسرائيل بأن يكون لقاؤهما المقبل صعبا وحاسما. لكنهما في الواقع لن يفترقا على خلاف، فاحتمالات التوافق بينهما متوفرة وأسهلها، كالعادة، على حساب الجانب الفلسطيني والعربي- الإسلامي.
مع ذلك، هناك مسائل خلافية، بعضٌ منها لم يكن واضحا في ولاية ترمب الأولى وقد استجد بفعل عاملَين: تغيير مفهوم الأمن لدى الإدارة الأمريكية واعتبارها الشرق الأوسط «مكانا للشراكة والصداقة والاستثمار» (وفقا لإستراتيجية الأمن القومي الجديدة)، وسعي الرئيس إلى استكمال «الاتفاقات الإبراهيمية»، لكن إسرائيل تريد قولبة الشرق الأوسط وفقا لأهوائها... وعلى الرغم من التحالف المزمن العميق بين بلديهما فإن ترمب بات يجد في توجهات نتنياهو والمتطرفين في حكومته ما يعوق خططه. وإذا كان يرى في «سلام غزة» بداية مسار نحو «تطبيع» شامل، إلا أن شكاوى دول الوسطاء من الانتهاكات والعوائق التي افتعلتها إسرائيل لإفساد المرحلة الأولى من الاتفاق واشتراطاتها الكثيرة غير المبررة للانتقال إلى المرحلة الثانية حملت كلها مؤشرات إلى أن الموافقة الإسرائيلية على «خطة ترمب» لم تكن سوى تكتيك يرمي إلى إفشالها.
أما دوافعها فكثيرة، إذ إن الألغام التي زرعتها إسرائيل في نص «الخطة» ثم في صيغة القرار الدولي 2803 في شأن غزة، كانت مصممة لاستدراج الطرف الآخر إلى تعطيلها أو نسفها، وبالتالي إلى تسريع سأم الرئيس الأمريكي من متابعة الملف. وبمقدار ما أن الدول الثماني العربية والإسلامية تجاوزت مآخذها الجدية على الخطة لتحقيق هدف «وقف الحرب»، بمقدار ما أن هذا الهدف تحديدا أحبط العديد من الخطط الإسرائيلية، ومنها: أولا، إن استمرار الحرب يمكنها من احتلال القطاع. وثانيا، إدامة الانفراد (مع واشنطن) في التحكم بـ«اليوم التالي». وثالثا، استخدام الحرب كوسيلة وحيدة للهيمنة على الشرق الأوسط وفرض «السلام عن طريق القوة»، لذلك عدل نتنياهو خط الانسحاب الأول في غزة كما كان مرسوما في «خطة ترمب» وتواصل اعتداءاتها في القطاع والضفة وتصعد الضغط على لبنان وسوريا.
في الأثناء سكتت واشنطن عن مخالفات ارتكبتها إسرائيل، وبعضٌ منها توافق عليه (اغتيال كوادر «حماس» في غزة) على الرغم من انعكاسه المحتمل على وقف إطلاق النار، لكنها كانت تفضل أن تتصرف إسرائيل بشكل مختلف: فلا تبقي حال الحرب قائمة في غزة، ولا تعلن أن «الخط الأصفر» حدودها الجديدة، ولا تغذي التصعيد الصامت مع مصر في شأن «صفقة الغاز» ومعبر رفح أو بالإعلان الملتبس عن فتحه في اتجاه التهجير فقط، ولا تتدخل علنا في تشكيل «قوة الاستقرار الدولية»، ولا تتمسك باستبعاد السلطة الفلسطينية على الرغم من مطالبة الدول الـ8 بإشراكها ولو جزئيا، ولا تصر على تحديد الأسلوب الواجب اتباعه لنزع سلاح «حماس»... كل ذلك سيكون على طاولة البحث في فلوريدا، وإذا أتاح ترمب لنتنياهو مزيدا من الفرص لتعديل خطته أو عرقلتها، فإنه سيجازف بتعطيلها.
أكثر من حصيلة -سلبية- قُدمت أخيرا لمشاريع ترمب لإنهاء «الحروب الـ8»، ومع أن غزة أكثرها قابلية للنجاح إلا أن حسابات نتنياهو الشخصية وغرائز حلفائه المتطرفين تشكل عائقا كبيرا، فهؤلاء لن يرضوا بأقل من محو «فلسطين» وشعبها من الخريطة. ولدى إسرائيل جديدٌ مستقبلي مقلق، فالفصل الخاص بالشرق الأوسط في الإستراتيجية الأمنية عنونته واشنطن بـ«نقل الأعباء وبناء السلام»، معتبرةً أن أهمية المنطقة تراجعت بالنسبة إليها، إذ لم تعد معولة على النفط ولا توجد قوى كبرى أو إقليمية تنافس نفوذها (خصوصا بعد ضرب إيران وإضعافها). إذا، يتطلب استقرار المنطقة تعاون أمريكا مع القوى الفاعلة فيها، ولا سيما دول الخليج وتركيا، كذلك إسرائيل. لكن من الصعب وضع إسرائيل الحالية في أي معادلة إيجابية.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»