في كرة القدم، لا تصنع البطولات قوتها من عدد الدول المشاركة، بل من حدة التنافس، ومن التاريخ المتراكم بين الجماهير، ومن الشعور الجمعي بأن كل مباراة لها معنى يتجاوز التسعين دقيقة. ومن هنا يبرز سؤال مشروع:

هل مشاركة السعودية، أنديةً ومنتخبات، في البطولات الآسيوية ما زالت الخيار الأفضل؟ أم أن الوقت قد حان للتفكير في بطولة قارية جديدة تحمل اسم الشرق الأوسط؟

التنافس الكروي لا يُخلق بالقرار الإداري، بل بالذاكرة. وحين ننظر بصدق إلى واقع البطولات الآسيوية، سنجد أن معظم المواجهات تفتقر إلى التاريخ، وإلى الحساسية الجماهيرية، وإلى ذلك التوتر الجميل الذي يجعل المباراة «حدثًا». لا توجد تحديات كروية حقيقية، ولا روايات قديمة، ولا مباريات تُنتظر بلهفة. كل شيء يتم بهدوء بارد، وكأن الكرة تُلعب لأجل الجدول فقط.


في المقابل، يكفي أن نتابع بطولة عربية واحدة، أو مباراة بين منتخبات الشرق الأوسط، لنفهم الفرق. هناك شيء مختلف في الأجواء، في المدرجات، في النقاشات، في الشغف.

التنافس بين أندية ومنتخبات الشرق الأوسط ليس تنافسًا رياضيًا فقط، بل هو تنافس ثقافي، تاريخي، جماهيري. كل مباراة تحمل ذاكرة سابقة، وكل هدف يُقرأ سياسيًا وعاطفيًا قبل أن يُقرأ فنيًا.

من هنا، يبدو اقتراح إنشاء بطولات قارية للشرق الأوسط ــ للأندية وللمنتخبات ــ فكرة تستحق النقاش الجاد، لا بوصفها انسحابًا من آسيا، بل بوصفها إعادة تعريف للبيئة التنافسية التي نريدها لكرة القدم السعودية.

الفائدة الأولى واضحة: إحياء التنافس الجماهيري. الجمهور هو الوقود الحقيقي لكرة القدم. دون جمهور، تتحول البطولة إلى منتج تلفزيوني بلا روح. وقد رأينا بأعيننا في بطولة كأس العرب كيف امتلأت المدرجات، وكيف ارتفعت نسب المشاهدة، وكيف عاد الصخب الكروي الذي غاب طويلًا.

هذا الصخب لا نراه في البطولات الآسيوية، لا لأن الجماهير الآسيوية أقل، بل لأن الرابط العاطفي ضعيف.

الفائدة الثانية أعمق: الاقتصاد الرياضي. حين تصنع بطولة ذات حضور جماهيري قوي، فأنت تفتح الباب تلقائيًا للمستثمرين. المستثمر لا يبحث عن شعار البطولة، بل عن المشاهدات، عن الحضور، عن التفاعل، عن قصة يمكن بيعها.

بطولة شرق أوسطية قوية ستخلق سوقًا جديدة: حقوق بث أعلى، رعاة أقوى، اهتمام أوسع، وربما دخول مستثمرين لشراء أندية في المنطقة، لأن البيئة أصبحت جاذبة وحية.

أما على مستوى المنتخبات، فالأثر سيكون فنيًا بامتياز. التنافس بين المنتخبات الآسيوية، في واقعه الحالي، تنافس منخفض الحدة. مباريات كثيرة تُلعب بلا ضغط حقيقي، وبلا اختبار ذهني عالٍ للاعبين. بينما مباريات منتخبات الشرق الأوسط دائمًا مشحونة، صعبة، ومليئة بالتحدي النفسي قبل الفني. وهذا النوع من التنافس هو ما يصنع لاعبين أقوى، وأكثر جاهزية للبطولات العالمية.

اللاعب الذي يعتاد اللعب أمام مدرجات ممتلئة، وأمام خصم «لا يريد الخسارة بأي ثمن»، يتطور ذهنيًا قبل أن يتطور بدنيًا. وهذا ما تفتقده كثير من مباريات آسيا: الإحساس بأن المباراة مصيرية، وأن الخطأ الصغير قد يُلاحقك سنوات.

قد يقول قائل إن آسيا قارة واسعة وتملك تنوعًا كبيرًا، وهذا صحيح. لكن التنوع وحده لا يصنع بطولة قوية. ما يصنع البطولة هو المعنى، والمعنى يُخلق حين يشعر الجمهور واللاعب معًا أن المباراة تمس هويته الرياضية.

بطولة شرق أوسطية ليست دعوة للانغلاق، بل دعوة للتركيز. للعب مع من يشبهك في الشغف، في الثقافة، في التاريخ الكروي. وحين ترتفع جودة المنافسة محليًا وإقليميًا، سيكون الذهاب للعالمية أسهل، لا أصعب.

كرة القدم السعودية اليوم في مرحلة إعادة تعريف. استثمار، حضور عالمي، نجوم، وبنية تحتية. أحيانًا، الطريق للأمام لا يكون في الاستمرار في المسار نفسه، بل في الجرأة على تخيّل مسار جديد.