أخبرني زميل في العمل بأنه يعاني من آلام في الظهر، فراجع طبيب المخ والأعصاب، وقد استغرب هذا الزميل من السؤال الأول غير المتوقع الذي سأله له الطبيب، رغم أن هناك أسبابًا متعددة مثل إجهاد العضلات، وضعية الجسم الخاطئة، السمنة، قلة التمارين، أو مشاكل هيكلية مثل الانزلاق الغضروفي، والتي تتطلب غالبًا الراحة النشطة والتمارين الخفيفة وتقوية العضلات وزيارة الطبيب عند الحاجة، أما السؤال الأول الذي سأله الطبيب للزميل هو: هل أنت تفكر؟!،

في رأي كاتب هذه السطور، لو لم يكن هذا السؤال مهم لما سأله الطبيب، وهذا يؤكد أن التفكير من أسباب آلام الظهر، ويؤخذ في الاعتبارات التشخيصية.

«ترتبط آلام الظهر بالتفكير عبر عدة آليات، أبرزها أن التوتر النفسي والعاطفي يسبب تشنجات عضلية في الظهر نتيجة استجابة الجسم للإجهاد، كما أن القلق والاكتئاب يمكن أن يزيدا من حدة الألم أو يجعلاه مزمنًا، وتُشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يعانون من ضغوط نفسية كبيرة هم أكثر عرضة لآلام الظهر المزمنة، بالتالي يمكن أن تتسبب الحالة العقلية في ظهور أو تفاقم آلام الظهر، كما يمكن للألم المزمن أن يؤثر سلبًا على الحالة النفسية للشخص في حلقة مفرغة».


وفي هذا العام 2025 نشرت دراسة جديدة توصلت إلى أن العلاج النفسي يُمكن أن يُساعد على تخفيف آلام أسفل الظهر.

ولطالما كانت خيارات علاج آلام الظهر المزمنة محدودة، ولا تُقدم سوى فوائد طفيفة إلى متوسطة لا تدوم طويلاً، ويعتقد فريق الدراسة التابع لجامعة ماكواري في سيدني أنهم اكتشفوا نهجًا «مبتكرًا» لمساعدة المُصابين من خلال العلاج بالكلام، الذي يستخدمه الأطباء النفسيون لعلاج الاكتئاب والمشكلات النفسية، حسبما نقلت صحيفة «التليغراف» البريطانية.

وأُجريت الدراسة على أكثر من ألف شخص يُعانون من آلام أسفل الظهر، تلقَّى بعضهم «رعاية اعتيادية»، فيما تلقى البعض الآخر العلاج السلوكي الإدراكي، وهو من أكثر أنواع العلاج بالكلام شيوعًا ويهدف إلى المساعدة في تغيير طريقة تفكير الناس بالألم واستجابتهم له وتحسين مستويات نشاطهم.

ووجد الباحثون أن العلاج السلوكي الإدراكي حسّن جودة حياة المُشاركين، وقلَّل من التأثير «المُعوِّق» لآلام الظهر، وأنه كان أكثر فاعلية من الرعاية المُعتادة المُقدَّمة لمُصابي آلام الظهر، وأن فوائده استمرت ثلاث سنوات.

وقال البروفسور مارك هانكوك من جامعة ماكواري، والذي قاد فريق الدراسة: «أحدثت جلسات العلاج السلوكي الإدراكي تأثيرات مستدامة لمدة ثلاث سنوات لدى الأشخاص الذين يعانون من آلام أسفل الظهر المزمنة المُعوِّقة».

وأضاف: «هذه التأثيرات طويلة المدى جديدة، وتتيح فرصةً لتقليل تأثير آلام الظهر المزمنة بشكل ملحوظ».

وعادةً ما يستخدم المعالجون النفسيون أشكالاً مختلفة من العلاجات الكلامية المُعتمدة لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من حالات صحية نفسية مثل القلق أو الاكتئاب، أو غيرها من المشكلات العاطفية، بدءًا من معالجة التوتر وصولًا إلى التخلص من العادات السيئة.

ولكن هناك الآن أدلة متزايدة على أنها قد تُساعد الناس على التغلب على الألم أو تخفيف معاناتهم منه، وبالنسبة لبعض الأشخاص، يُعد ألم أسفل الظهر حدثًا عابرًا يتحسن مع مرور الوقت، ولكنه قد يُصبح مزمنًا لدى آخرين ويُسبب مشكلات طويلة الأمد، مما يؤثر على صحتهم العقلية والجسدية.