فخلال الأحداث التي شهدها الوطن العربي، خرجت شعارات الحرية والإصلاح إلى الشارع في عدد من الدول العربية، لكن الفوضى الإعلامية، وانتشار الشائعات، والتحريض غير المسؤول عبر المنصات الرقمية، غيرت المسار في بعض الدول من إصلاح إلى انهيار، ومن مطالب شعبية إلى صراعات داخلية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. هذه التجربة أظهرت بوضوح أن غياب الإعلام المسؤول قد يؤدي إلى نتائج كارثية إذا أسيء استخدامه.
ولا يقتصر هذا الدرس على المنطقة العربية فقط، بل حتى في أكثر الدول ممارسة للحرية. ففي الولايات المتحدة شهد العالم حادثة اقتحام مبنى الكابيتول، حيث رفعت شعارات حرية التعبير والاحتجاج، لكنها انتهت بمشاهد عنف واقتحام لمؤسسة سيادية. هذا الحدث شكل صدمة للرأي العام العالمي، وأثبت أن سوء توظيف الحرية يمكن أن يهدد الاستقرار حتى في الدول ذات المؤسسات القوية. كما أن عدوى الفوضى لا تقتصر على الولايات المتحدة، ففي أوروبا تتكرر بين الحين والآخر ممارسات مسيئة للأديان والمقدسات، مثل حرق المصحف، بدعوى حرية التعبير. هذه الأفعال، وإن تم تناولها تحت مظلة قانونية في بعض الدول، لم تصنع حوارات دينية أو فكرية، بل خلقت توترات اجتماعية ودبلوماسية وسياسية، وأشعلت موجات غضب واحتجاج، في مثال واضح على أن الحرية المنزوعة من بعدها الإنساني والديني والأخلاقي والقانوني تتحول إلى استفزاز وفوضى.
كذلك نجد أن الإعلام الذي يصنع الفوضى قد يتغذى على الانقسامات وبث خطاب الكراهية بدعوى الحرية، بدل الإسهام في المصالحة وبناء الدولة. وهنا يتضح أن الإعلام قد يكون جزءا من الحل، أو جزءا من المشكلة. هذه السرديات المختلفة والتجارب التي لا يمكن إغفالها عند الحديث عن حرية التعبير، تجعلنا نفهم الرؤية السعودية التي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حرية التعبير وحماية الاستقرار. فالمملكة لا ترفض النقد ولا تصادر الرأي، لكنها ترفض أن تتحول الحرية إلى أداة تشويه أو تحريض أو نشر للفوضى بهدف زعزعة الاستقرار وهدم المجتمعات. فحرية التعبير والرأي لا تعني انتقاد الحكومة أو بث الكراهية دون مسؤولية. الإعلام، في هذا التصور، ليس ساحة صراع، بل شريك في بناء الوعي، وحماية المجتمع، ودعم التنمية، وتقديم النصح بطريقة أكثر حضارية. فالحرية حق أصيل، لكنها مسؤولية تحتم علينا فهمها وتحملها، والكلمة أمانة، والاستقرار أساس كل تنمية. ومن دون هذا التوازن، تتحول الحرية من قيمة نبيلة إلى فوضى يدفع ثمنها الجميع. والشواهد والأحداث من حولنا كثيرة، وهو ما يتطلب وعيا مجتمعيا حقيقيا لمعرفة مفهوم حرية الكلمة، لا حرية الفوضى.