نعيش عصر وسائل الإعلام الجماهيري، حيث لم يعد مصطلح حرية التعبير مجرد حق يمارس بالكلمة أو القلم، بل أصبحت قوة مؤثرة قد تغير مسار المجتمعات إيجابا أو سلبا. ومع اتساع منصات التواصل الاجتماعي وتسارع تداول الأخبار والمعلومات من كل جانب، باتت الكلمة قادرة على إشعال رأي الجماهير أو تهدئة أزمة أو خلق فوضى حقيقية، من خلال رسائل قد يكون هدفها الزعزعة والإثارة والظهور على حساب المجتمعات. وزير الإعلام السعودي الأستاذ سلمان الدوسري، خلال مؤتمر صحافي أكد أن حرية التعبير مكفولة في المملكة باعتبارها حقا أصيلا، مع التشديد على عدم التسامح مع توظيفها لخلق فوضى إعلامية أو التحريض عبر خطاب شعبوي يهدف إلى التضليل أو تأجيج الرأي العام، موضحا أن الأنظمة تميز بوضوح بين النقد المسؤول والتحريض. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ مسؤولية الحفاظ على الاستقرار؟ الموقف السعودي، كما عبر عنه وزير الإعلام، ينطلق من مبدأ واضح: لا تسامح مع استخدام الحرية كغطاء للفوضى. هذا الطرح لا يعني رفض حرية التعبير، بقدر ما يؤكد أن الحرية لا يمكن أن تكون مطلقة ومنفلتة من أي ضوابط أخلاقية أو دينية أو قانونية. فالتاريخ القريب يقدم شواهد عديدة على أن الكلمة، إذا أسيء استخدامها، قد تكون أخطر من أي سلاح.

فخلال الأحداث التي شهدها الوطن العربي، خرجت شعارات الحرية والإصلاح إلى الشارع في عدد من الدول العربية، لكن الفوضى الإعلامية، وانتشار الشائعات، والتحريض غير المسؤول عبر المنصات الرقمية، غيرت المسار في بعض الدول من إصلاح إلى انهيار، ومن مطالب شعبية إلى صراعات داخلية ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم. هذه التجربة أظهرت بوضوح أن غياب الإعلام المسؤول قد يؤدي إلى نتائج كارثية إذا أسيء استخدامه.

ولا يقتصر هذا الدرس على المنطقة العربية فقط، بل حتى في أكثر الدول ممارسة للحرية. ففي الولايات المتحدة شهد العالم حادثة اقتحام مبنى الكابيتول، حيث رفعت شعارات حرية التعبير والاحتجاج، لكنها انتهت بمشاهد عنف واقتحام لمؤسسة سيادية. هذا الحدث شكل صدمة للرأي العام العالمي، وأثبت أن سوء توظيف الحرية يمكن أن يهدد الاستقرار حتى في الدول ذات المؤسسات القوية. كما أن عدوى الفوضى لا تقتصر على الولايات المتحدة، ففي أوروبا تتكرر بين الحين والآخر ممارسات مسيئة للأديان والمقدسات، مثل حرق المصحف، بدعوى حرية التعبير. هذه الأفعال، وإن تم تناولها تحت مظلة قانونية في بعض الدول، لم تصنع حوارات دينية أو فكرية، بل خلقت توترات اجتماعية ودبلوماسية وسياسية، وأشعلت موجات غضب واحتجاج، في مثال واضح على أن الحرية المنزوعة من بعدها الإنساني والديني والأخلاقي والقانوني تتحول إلى استفزاز وفوضى.


كذلك نجد أن الإعلام الذي يصنع الفوضى قد يتغذى على الانقسامات وبث خطاب الكراهية بدعوى الحرية، بدل الإسهام في المصالحة وبناء الدولة. وهنا يتضح أن الإعلام قد يكون جزءا من الحل، أو جزءا من المشكلة. هذه السرديات المختلفة والتجارب التي لا يمكن إغفالها عند الحديث عن حرية التعبير، تجعلنا نفهم الرؤية السعودية التي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حرية التعبير وحماية الاستقرار. فالمملكة لا ترفض النقد ولا تصادر الرأي، لكنها ترفض أن تتحول الحرية إلى أداة تشويه أو تحريض أو نشر للفوضى بهدف زعزعة الاستقرار وهدم المجتمعات. فحرية التعبير والرأي لا تعني انتقاد الحكومة أو بث الكراهية دون مسؤولية. الإعلام، في هذا التصور، ليس ساحة صراع، بل شريك في بناء الوعي، وحماية المجتمع، ودعم التنمية، وتقديم النصح بطريقة أكثر حضارية. فالحرية حق أصيل، لكنها مسؤولية تحتم علينا فهمها وتحملها، والكلمة أمانة، والاستقرار أساس كل تنمية. ومن دون هذا التوازن، تتحول الحرية من قيمة نبيلة إلى فوضى يدفع ثمنها الجميع. والشواهد والأحداث من حولنا كثيرة، وهو ما يتطلب وعيا مجتمعيا حقيقيا لمعرفة مفهوم حرية الكلمة، لا حرية الفوضى.