ليس الحضور السعودي الكاسح في وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة رقمية عابرة، ولا فورة عاطفية مؤقتة، ولا نتاج حملات منظمة كما يحلو للبعض أن يختزلها اختزالًا كسولًا، إنه تجلٍّ طبيعي لهوية وطنية متماسكة، ودولة عميقة الجذور، وجدت في المنصّات الحديثة مجرد مساحة إضافية لتقول ما كانت تقوله منذ قرون: نحن هنا، فالسعودي لا يظهر بكثافة لأنه مُوجَّه، بل لأنه موجود أصلًا... عددًا، وهويةً، وانتماءً، وجود لم يُصنع في غرف إعلام، ولا يُستحضر عند الأزمات، بل وُلد مع الأرض، وترسّخ مع التاريخ، واستقر في الوجدان، وعندما تبرز قضية وطنية أو موقف سيادي، لا نحتاج إلى من يحرّك الشارع الرقمي، لأن الشارع السعودي يتحرك من تلقاء نفسه، مئات الآلاف، بل الملايين، يتفاعلون لا لأن أحدًا استنفرهم، بل لأن القضية تمسهم شخصيًا.

إنها استجابة عضوية ونفسية وسلوكية، تشبه استجابة الجسد للخطر، لا رد فعل مصطنع ولا مبرمج، فالديموجرافية السكانية في المملكة العربية السعودية تختلف جذريًا عن كثير من دول الإقليم. فنحن أمام شعب هم أصل العرب وسنام مجد العروبة والإسلام، وهم ذا دين واحد ولغة واحدة وتاريخ مجيد مُمتد وغير مُنقطع، وذاكرة جمعية واحدة وانتماء لا يمر عبر المصالح، بل عبر الأرض والدم والامتداد، فحين يكتب السعودي، فهو يكتب من داخل الوطن لا من هامشه، ومن داخل الهوية لا من فوقها، وفي المقابل، تعاني بعض الدول في الإقليم من واقع ديموجرافي مختلف، نُدرة في السكان الأصليين يقابلها أغلبية من مجتمعات وافدة.

مُشكلة خلفيات عرقية وثقافية متعددة ذات لغات متباينة وانتماءات مرهونة بالمصالح لا بالجذور، وفي مثل هذا السياق، والذي ينتهي به الأمر إلى تكوّن مجتمعات هجينة وأصوات وطنية مُشتتة لا تجد لها جامع ولا تتكوّن معها كتلة رأي عام متماسكة، ولا يظهر صوت وطني جامع، فيغلب الصمت ويظهر الحذر المريب مع بلبلة غير مفهومة ثم تظهر أصوات نشاز معدودة نراها دومًا عند الأزمات وهؤلاء تجدهم غاية في الاضطراب يتملكهم الكرب والهم والقلق ويتخبطهم الشيطان، فيهذون بما لا يعلمون ويصيبهم هوس وهستيريا وجنون يغذيه حقد عظيم ومتعمق في كل خلايا أجسامهم العليلة وعقولهم المريضة، ولا يمكن فهم الشموخ السعودي في وسائل التواصل الاجتماعي دون العودة إلى الخلفية السياسية الفريدة التي نشأت فيها الدولة السعودية، فالمملكة ليست كيانًا طارئًا صُنعت على عجل في لحظة استعمار، ولا دولة وُلدت بقرار خارجي، بل دولة تجذّر حكمها عبر ثلاث دول متعاقبة، امتدّت لمئات السنين، سقطت ثم عادت في نسختها الثالثة أقوى وأكثر تماسكًا، وهذا الامتداد لم يكن تعاقبًا شكليًا، بل عملية انصهار طويلة بين الحاكم والمحكوم، تشكّلت خلالها بوتقة سياسية واجتماعية نادرة، عنوانها:


الولاء والانتماء وتوجها بيعة مباركة تُطوّق الأعناق لا خوفًا بل اعتزازًا وفخرًا لقادة عظام هم منا ونحنُ منهم لا نحيد عنها أبدًا لأنها عقيدة وشرف وأغلبية من حولنا يفتقدونها ولا يستشعرون قيمتها؛ لأنها استقرت لدينا في نفوس أبية لعرب أقحاح، في الدولة السعودية الأولى، ثم الثانية، حتى الثالثة، لم يكن الحكم قائمًا على القهر، ولا على العصبية والقبلية، ولا على لحظة فوضى، بل على عقد اجتماعي فريد وغير مكتوب:

الحاكم يستمد شرعيته من الدين والعدل وحماية الأرض، والمحكوم يمنحه البيعة والطاعة في المعروف، في السعودية، لم تتشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المواطنة القانونية فقط، بل على رابطة وجدانية متراكمة، ولهذا، لم يشعر السعودي يومًا أن الدولة كيان فوقه، بل كيان منه، والسعودي في وسائل التواصل لا يطلب الاعتراف به، ولا يبحث عن هوية بديلة ولا يتسولها، ولا يحتاج لإثبات وجوده، السعودي شامخ في وسائل التواصل؛ لأنه ينتمي لعرق عربي نقي ولدولة أصيلة وليست طارئة والانتماء لديه شعور مُقدس وحقيقي وليس وظيفة وهويته جامعة لا مُستعارة ودولته متجذّرة لا مُستحدثة، والوطن لديه ليس فندقًا بل بيتًا، ومن كان وطنه بيته دافع عنه بصوت عالٍ، وبثقة ودون أن ينتظر تعليمات.

وهكذا يُفهم الحضور السعودي ديموجرافيًا، وتاريخيًا، وسياسيًا قبل أن يكون رقميًا، إنه حضور هوية تتكلم، لا خوارزميات تعمل وحين تتكلم الهوية، لا تحتاج إلى تفسير.