في يومٍ من الأيام كان أحد الأعيان قديمًا يتمشى في قصره صباحًا وهو مكدّر النفس، فسمع خادمًا ينظّف ويغنّي وهو في غاية السرور، فتوقّف متعجبًا وقال في نفسه: «كيف يكون هذا الرجل بهذا الانشراح وأنا، مع كل ما أملك، سريع التكدر؟»، ثم قابل موظفا وسأله مباشرة: «ما سرُّ سعادة هذا الخادم؟».

أجابه بهدوء: «يا سيدي، أنت تعيش في نادي الـ1%، وهو يعيش في نادي الـ99%»، ثم أردف قائلًا: «ولكي ترى ذلك بنفسك، اجعل من يضع عند باب الخادم مساءً كيسًا فيه 99 قطعة نقدية، واكتب عليه: (100 قطعة هدية لك)، ثم دعه يطرق الباب وينصرف، وراقب سلوكه غدًا».

وفي المساء خرج الخادم، فقرأ العبارة، وحمل الكيس بفرحٍ ودخل بيته، ثم فتحه وعدّ ما فيه فوجدها 99 قطعة فقط، فأعاد العدّ مرة بعد مرة حتى تأكد أنها 99 لا غير؛ وهنا بدأت القصة الحقيقية داخل رأسه لا داخل الكيس، إذ انقلب الفرح إلى قلق، وبدأ يسأل نفسه: هل سُرقت عند الباب؟ من الذي أوصلها أصلًا؟ ولماذا كُتب «مئة»؟ كانت هذه الأسئلة كافية لتعكير مزاجه وذهاب النوم من عينه، فصار نقصُ قطعة واحدة طاغيًا على فرحته بما حصل عليه، حتى إنه أيقظ أبناءه وطلب منهم التفتيش، ثم غضب لأنهم «لم يبحثوا جيدًا»، وفي الصباح ذهب إلى عمله مهمومًا متجهم الوجه؛ فلما رآه على حالٍ غير حاله سأل الموظف عن التفسير، فقال: «لقد ترك الـ99% وتعلّق بالـ1%».


والتفسير العلمي لهذا التحول أقرب مما نتصور؛ فعقل الإنسان لا يقيّم الأشياء بقيمتها المجردة فقط، بل وفق معيارٍ يقيس به، عندما كُتب على الكيس «100»، صار هذا الرقم هو المعيار، فبدت الـ99 كأنها نقص، رغم أنها مكسب كبير مقارنة بما كان يملكه قبل دقائق، ثم تأتي ظاهرة معروفة في الاقتصاد السلوكي تُسمى «نفور الخسارة»؛ حيث يكون أثر الخسارة على النفس غالبًا أقوى من أثر الربح المماثل، وقد تقدّره دراسات كثيرة بنحو الضعف تقريبًا بحسب السياق؛ لذلك يعلو جرس الإنذار في الدماغ عند فقد قطعة واحدة، بينما يهدأ عند وجود تسع وتسعين.

ويزيد الأمر ميلٌ نفسي آخر، وهو أن السلبية تجذب الانتباه أسرع من الإيجابية؛ فيلمع الخطأ وتخفت النعمة، ثم يأتي «الاجترار الذهني» بإعادة السؤال نفسه بصيغ مختلفة: «من؟ لماذا؟ أين؟»، دون معلومة جديدة؛ فتزيد حرارة القلق ولا يصل لحل.

هذه الحكاية ليست عن النقود، بل عن حياتنا؛ فقد يعكّر مزاجي جارٌ وقف أمام منزلي، أو تقصيرٌ من ابن، أو تأخرٌ بسيط، لا لأن الحدث يستحق هذا الحجم، بل لأنني أضعتُ المعيار وتعاملت مع الـ1% كأنها 100%، أركز على خطأ الابن وأنسى أنه بصحةٍ أمامي، وأقارن الشريك بصورة مصنوعة فأبدّل المعيار إلى معيار لا يعيش في الواقع، وقد أنجو من حادث ثم أحرق أسبوعًا على خسارة مادية كأن السلامة لا وزن لها، وأقارن نفسي بمن فوقي دائمًا؛ فأحوّل النعمة إلى «شيء عادي»، والنقص إلى «قضية».

والخلاصة التي تغيّر كل شيء ليست أن ننكر النقص أو نجمّل الواقع، بل أن نكون عادلين في الوزن؛ فلا نكبّر المشكلة ولا نهوّنها، بل نعطيها حجمها الحقيقي، فإن كانت الـ1% قابلة للإصلاح أصلحتُها ومضيت، وإن كانت أكبر أخذت حقها، لكنني أرفض أن أسمح لواحدٍ بالمئة أن يمحو تسعةً وتسعين بالمئة من يومي، أو من بيتي، أو من عمري؛ أصلح الـ1%، ولا تحرق الـ99%.