كان ترمب خاطب الإيرانيين وحثّهم على مواصلة التظاهر والاحتجاج «الى أن يتوقف القتل العبثي»، مؤكّدًا أن «المساعدة (الأمريكية) في الطريق اليكم». بعد أربع وعشرين ساعة قال إن «القتل توقف» وإنه أُبلغ بـ«وقف إعدامات جماعية كانت متوقعة لـ800 شخص»، مستخلصًا أنه «أنقذ الكثير من الأرواح»، وأنه هو مَن أنقذها، إذًا فالإنجاز «الشخصي» حصل. قبل ذلك كانت منظمة حقوق الإنسان في إيران أحصت 3824 قتيلًا، فيما وصلت إلى مكتب ترمب تقديرات إسرائيلية بأن عدد القتلى ربما يفوق الخمسة آلاف.
في أي حال، هي حصيلة ثقيلة تفوق ما سفكه «الحرس الثوري» وميليشيا «الباسيج» من دماء إيرانية في الانتفاضات السابق. لكنها انتفاضة ما بعد حرب الـ12 يومًا منتصف حزيران (يونيو) الماضي، ولم يكن مستغربًا أن تستشرس السلطة إلى هذا الحدّ لأن مصير النظام بات على المحك، وبالنسبة إليها فإن إخماد الحراك الشعبي هو «انتصار» آخر على «أعداء الثورة والجمهورية الإسلامية». غير أن أركان النظام مدركون أن ما حصل ليس فقط نتيجة تحريض خارجي، على الرغم من أن الظاهرة الجديدة كانت ظهور متظاهرين مسلحين يطلقون النار على رجال السلطة، وإنما هي قبل كل شيء أزمة داخلية إذ لا يمكن توقّع أن يعاني الإيرانيون إلى ما لا نهاية من دون أن يحتجّوا، مقدار ما هي أزمة نظام محاصر دوليًا ولم تفلح سياساته في إيجاد حلول.
دأبت الولايات المتحدة على التموضع باعتبارها «المخلّص المنتظر» للشعب الإيراني، لكنها خذلته مرارًا، منذ «الثورة الخضراء» عام 2009 على الأقل. حينذاك كان باراك أوباما رئيسًا وكانت إدارته تعلم أنه جرى تزوير الانتخابات لتفويز محمود أحمدي نجاد، لكنه كان يتطلّع إلى «اتفاق نووي» مع النظام فقرر تمرير القمع الوحشي من دون أي رد فعل. وفي 2019 قيل إن إدارة ترمب (الأولى) بدأت تعمل استخباريًا لتمكين مجموعات إثنية من الثورة على النظام. وفي العام 2022 اتّبعت إدارة جو بايدن نهج أوباما لأنها كانت تأمل بإحياء الاتفاق النووي. واليوم لم يعد خافيًا أن عقوبات «الضغوط القصوى» التي يفرضها مرتبطة بتدهور الاقتصاد والعملة الإيرانيين واستطرادًا بالاحتجاجات الشعبية التي أراد ترمب دعمها عسكريًا، علّها تُسقِط النظام، لكنه ارتدع في اللحظة الأخيرة.
لم تصل «المساعدة في الطريق» وكان القمع أسرع منها، لكن لو أُرسلت مقاتلات حربية لقصف بعض مواقع السلطة هل كانت لتشكّل مساعدة مجدية، أو لتُسقط النظام؟ لا طبعًا، وكان على ترمب وإدارته أن يأخذا في الاعتبار تقديرات الدول الصديقة ومخاوفها، وكذلك تهديدات «الحرس» بقصف القواعد الأمريكية في المنطقة. تحدث مسؤولون أمريكيون عن أن الدول الصديقة، من السعودية وقطر وعُمان إلى تركيا وباكستان، عرضت خلال مشاورات معها لائحة طويلة من المخاطر: إذا استُهدف النظام فإن مؤسسته الأمنية أعدّت نفسها لتكون «انتحارية» تجاه الخارج وأكثر بطشًا ودمويةً ضد الداخل. الفوضى والحروب الأهلية المفتوحة هما «البديل» المرجّح الذي سيدفع بملايين اللاجئين الى دول الجوار («الخبراء» الإيرانيون كانوا مستشاري النظام السوري السابق في هندسة التهجير القسري). خطوط الإمدادات النفطية عبر مضيق هرمز ستكون لفترة طويلة في خطر، ما سينعكس على الأسعار. وحتى لو كان خطر الأذرع الإيرانية محدودًا إلا أن تفاعلها مع الحدث سيوسّع دائرة عدم الاستقرار.
للمرّة الأولى يعود الرئيس الروسي بفاعلية إلى الشرق الأوسط عبر ترتيب تفاهم إيراني- إسرائيلي غير مباشر على عدم المبادرة إلى هجمات استباقية من شأنها أن تشعل صراعًا أوسع. هو تفاهم هشّ لكنه حقق مصلحة آنية للطرفين. في الأثناء، أعادت أمريكا اكتشاف ما تعرفه، وهو أنها لا تملك بديلًا جاهزًا من النظام وليس لديها تحالف دولي يشاركها إرسال قوات إلى أرض إيران، والأهم أن نظام طهران لا يزال يسترشد بخطط قاسم سليماني (أمن نفط إيران مقابل أمن إمدادات النفط، وحصانة النظام مقابل أمن القواعد الأمريكية)... تكمن المفارقة في ما يتردّد حاليًا من أن النظام الإيراني الحالي على سوءاته يبقى أقلّ سوءًا من «بديل» من داخله أو من الخارج!..
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»