لطالما حيّر العلماء الاختلاف الواضح بين جانبي القمر؛ إذ تغطي السهول البركانية الواسعة، المعروفة باسم «البحار»، معظم جانبه المرئي من الأرض، بينما يهيمن على جانبه البعيد تضاريس وعرة مليئة بالجبال والفوهات، مع قشرة أكثر سُمكًا. وقد كشفت دراسة حديثة تفسيرًا علميًا لهذا التباين اللافت في البنية الجيولوجية.

وأشارت نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة علمية متخصصة، إلى أن مهمة صينية حديثة لتحليل عينات من الجانب البعيد للقمر أسهمت في فهم جذور هذا الاختلاف. فقد قام باحثون بدراسة أربع عينات بازلتية دقيقة جُمعت من حوض القطب الجنوبي–أيتكن، وهو فوهة نيزكية هائلة تُعد من أقدم وأعمق الفوهات على سطح القمر، وتمتد على مساحة تقارب ربع سطحه.

وباستخدام مطياف كتلة عالي الدقة، قارن العلماء التركيب النظائري لهذه العينات بصخور أُحضرت سابقًا من الجانب المرئي للقمر. وتركزت المقارنة على نظائر البوتاسيوم، وهو عنصر متوسط التطاير يتأثر بشدة بالحرارة. وأظهرت النتائج أن صخور الجانب البعيد تحتوي على نسب أعلى من نظائر البوتاسيوم الثقيلة، في حين بدت نظائر الحديد متشابهة تقريبًا في الجانبين.


وفسّر الباحثون هذا الاختلاف بتعرض الجانب البعيد لحدث تسخين عنيف في مرحلة مبكرة من تاريخ القمر. فعند ارتفاع درجات الحرارة الشديدة، تتبخر النظائر الخفيفة أولًا، بينما تبقى النظائر الثقيلة، تاركة بصمة كيميائية مميزة. ويرجّح أن الاصطدام الهائل الذي شكّل حوض القطب الجنوبي–أيتكن اخترق قشرة القمر وأذاب جزءًا من وشاحه، ما أدى إلى إعادة توزيع المواد في باطنه.

وبحسب الدراسة، اندفعت العناصر المولّدة للحرارة نحو النصف المرئي، ما غذّى نشاطًا بركانيًا طويل الأمد وأسهم في تكوّن البحار القمرية، بينما بقي الجانب البعيد أكثر فقرًا بهذه العناصر. ويؤكد الباحثون أن تحليل عينات إضافية من الجانب البعيد سيكون حاسمًا لتأكيد هذه الفرضية بشكل نهائي.