الخوارزمي لم يكن مترجما ولم يقدم شروحا للمنطق اليوناني وليس له اطلاع كافٍ على التراث اليوناني، وهذه قرينة قوية على أنه يعمل داخل عقلية فقهية تطبيقية وليس مشروعا فلسفيا يونانيا. فالجبر عنده يشبه القياس الفقهي لا القياس الأرسطي، باعتبار الفقه يقوم على وجود: أصل وفرع وعلة وحكم، فهو لا يبرهن صوريا بل يقيس مسألة على أخرى ويرد المجهول إلى معلوم ويجبر النقص ويقابل الزيادة، وهذا أقرب للقياس الفقهي منه إلى القياس الأرسطي الصوري، وكتابه الشهير (الجبر والمقابلة) لا يتضمن أي تعريفات منطقية أو رموزا تجريدية أو براهين إقليدية أو إحالات يونانية.
الخوارزمي فعل ما يفعله الفقيه في علم أصول الفقه، فهو لم يبدأ من فراغ علمي، فقد كان المجتمع الإسلامي يعرف حساب المواريث والزكاة وتقسيم الخراج ومسائل الوصايا والتجارة وعلم المساحة وقسمة الأراضي، وهي ممارسات يومية في المجتمع آنذاك، وكل ما قام به جمع المسائل المتشابهة وردها إلى أصول مشتركة، وصاغ قواعد عامة ورتبها في أبواب. والجبر هنا كان وسيلة لفك إشكالات فقهية بمعنى أنه خادم للفقه، ويخدم بنسبة كبيرة علم الفرائض، فكلا العلمين (الفقه والجبر) تشكلا بالآلية نفسها تقريبا.
ضبط المواريث وقسمة الحقوق ورفع النزاع وتحقيق الضبط العددي كلها حاجات شرعية يومية ملحة وتحتاج لقاعدة عادلة وثابتة لإنصاف الناس وتنزيل الحكم الشرعي العادل على الواقع، وكل علم يخدم العبادات والمعاملات والقضاء كان علما مسجديا بطبيعته يدرس ويناقش ويفصل في المسجد وحلقاته، ففي عصر الخوارزمي لا يوجد جامعات ولا كليات ولا معاهد بحث ولا مؤسسات رسمية لصناعة المعرفة، بالتالي لا يوجد مكان يمكن أن يدرس فيه علم الجبر إلا المسجد وحلقاته وما يتفرع عنه من نقاشات مطولة ومسائل متشعبة، فموضوعات علم الجبر عند الخوارزمي ذات طابع حلقي وغاية شرعية فقهية.
في الحلقة يذكر الحكم الشرعي ثم يحسب المقدار ويستنبط الحكم بعد الحساب، فالجبر هنا خادم للفقه لا معزولا عنه، ففي علم أصول الفقه وجد الفقه أولا (فتوى/قضاء/اجتهاد) ثم تراكمت المسائل وتشعبت فظهرت الحاجة إلى ضبط الاستنباط وتوحيد المناهج، ثم نشأ علم أصول الفقه الذي تفرع عنه علم الجبر الذي يهدف إلى توحيد المنهجية بعد أن تشعبت وتراكمت المسائل الفقهية ذات الطابع الحسابي. فإذا كان علم أصول الفقه تقعيدا للاستنباط الشرعي فإن علم الجبر هو تقعيد للحساب الشرعي.
ومن يحتاج الجبر في ذاك العصر هم في الحقيقة الفقهاء أو من يرتبط نشاطهم الاجتماعي بالفقه مثل القاضي وصاحب المواريث والمحتسب وكاتب الديوان، وكل هؤلاء يتلقون علومهم في المسجد ويستعملون الجبر كأداة فقهية تطبيقية ضرورية لإصدار الأحكام. ومشروع الخوارزمي يشتغل بعقلية أصولية، ونشأ استجابة لحاجات فقهية وقضائية وصيغ بأسلوب تقعيدي تطبيقي مشابه للعقل الأصولي الذي يميل لرد الفروع إلى الأصول، واستخراج القواعد العامة وضبط الممارسة وتقليل الاختلاف، وهذا التفسير يبدو منطقيا في سياقه الاجتماعي والمنهجي بوصفه (الجبر) علما تقعيديا وُلد لخدمة حاجات فقهية وقضائية داخل فضاء المسجد، ثم استقل لاحقا بوصفه علما رياضيا قائما بذاته.