نحن الجيل الذي يغضب لأن المصعد تأخر، ويشعر بالملل إذا استغرق التحميل أكثر من عشرين ثانية.. نضغط الزرّ بعصبية، لا لأننا مستعجلون، بل لأننا لم نعد نحتمل فكرة أن الزمن لا يطيعنا فورًا.

في الماضي، كان الصبر يشبه شجرة زيتون؛ بطيئة، صلبة، لا تُغريك في عامها الأول، لكنها تمنحك ظلًّا وثمراً، أما اليوم، فنريد أشجارًا تنمو خلال قصة قصيرة، وتثمر قبل أن نغلق الصفحة.

الانتظار لم يعد فعلًا بريئًا، صار موضع شبهة، سؤالًا جارحًا يتكرر بصيغ مختلفة: لماذا تأخرت؟ لماذا لم تصل بعد؟ ماذا تفعل بكل هذا الوقت؟ كأن الوقت تحوّل من مساحة نعيش فيها، إلى شاهد ادعاء ضدنا.


أقنعنا أنفسنا أن كل تأخير خلل، وأن كل صمت فراغ، وأن الطريق يجب أن يكون مستقيمًا، واضحًا، ومضاءً على الدوام، لكن الحقيقة -وهي لا تحب الضوء المباشر- أن أهم الأشياء تحدث في العتمة: الجذور، التحوّلات، وتبدّل القلوب ببطء لا يُلاحظ.. نحن لا نخاف الانتظار.. نخاف ما يكشفه.

في الانتظار تتقشّر الأقنعة، تسقط الحكايات السريعة، ويظهر السؤال الذي لا يُشارك: هل ما نركض نحوه يستحق هذا الركض أصلًا؟ نعيش في عصر «الآن».. الآن اشترِ.. الآن تعلّم.. الآن أنجح.. الآن انسَ، حتى الأحلام صارت لها نسخ سريعة، مختصرة، بلا انتظار ولا ألم، وكأن الألم عيب تقني يجب تحديثه.

لم نعد نحتمل الانتظار، لأن الانتظار يكشف الحقيقة: أن بعض الأشياء لا تأتي عند الطلب.. أن النضج لا يُنزَّل كملف.. أن الثقة تُبنى حجرًا حجرًا، لا بنقرة واحدة.. الصبر اليوم لا يُحتفى به، لأنه لا يُصوَّر جيدًا.. لا يُنشر.. لا يحصد إجابات، إنه يحدث في الظل، حيث لا كاميرات ولا تصفيق.. هناك حيث تتشكل الشخصيات الحقيقية، لا النسخ المعروضة، ربما لم يصبح الصبر رفاهية.. ربما أصبح شجاعة نادرة، شجاعة أن تنتظر في زمن يصرخ: أسرِع، أن تتأنّى في عالم يدفعك دفعًا.. أن تؤمن بأن بعض الأبواب لا تُفتح بالطرق، بل بالبقاء أمامها طويلًا.

ويبقى السؤال: الذي لا يصلح عنوانًا سريعًا ولا إجابة مختصرة: هل نحن حقًا مستعجلون على الحياة.. أم خائفون منها.. إذا توقفت قليلًا ونظرت في أعيننا؟.