في السنوات الأخيرة تصاعدت موجة الحديث عن «استقلالية المرأة»، حتى تحوّلت من قيمة تُعبّر عن النضج وتحمل المسؤولية، إلى شعارٍ واسع الانتشار، يرفعه البعض وكأنه الخلاص الوحيد من كل ما يرتبط بالبيت والأسرة والأبناء. ورغم أن الاستقلالية في جوهرها فضيلة، إلا أن القلق يبدأ حين تُسحب من سياقها الطبيعي وتُعاد صياغتها بوصفها هروبًا لا نضجًا، وانفصالًا لا وعيًا. والأمر الذي يزيدني حيرة وقلقًا هو أن التعبير عن الاستقلالية لم يعد مقتصرًا على النساء الناضجات أو العاملات أو من يواجهن ظروفًا خاصة؛ بل أصبح حاضرًا على ألسنة الفتيات صغيرات السن، قبل أن يعرفن حتى معنى المسؤولية أو ثمن القرار. أسمع إحداهن تقول ببساطة: «أبي أستقل... ليه أعيش تحت أحد؟» وأتساءل بصمت: استقلال عمّن؟ ومن أجل ماذا؟ هي لا تزال مرتاحة في بيت أهلها، تحيط بها النعمة من كل جانب، تُصرف نفقاتها بلا عناء، ولا تحمل همّ فواتير ولا التزامات ولا طرق حياة موحشة. فإذا كانت الراحة مكتملة والاحتواء حاضرًا، فلماذا تبدو الاستقلالية وكأنها باب النجاة الوحيد؟ لماذا تُطرح كأن البيت قيدٌ لا سند، وكأن الأسرة مرحلة عابرة يجب تجاوزها لا نعمة ينبغي أن تُصان؟

ما يؤلمني ليس الطموح في ذاته، ولا رغبة المرأة في أن تملك قرارها؛ فهذا حق أصيل. بل ما يؤلمني أن ينشأ نوع من الوعي الناقص الذي يرى البيت عقبة، ويصور الأمومة خسارة، ويجعل الزواج تنازلًا، ويعامل الأبناء وكأنهم مشروع تأجيل للأحلام. وكأن الروابط الطبيعية التي تقوم عليها الحياة أصبحت آخر الاهتمامات، بعد كل ما سُمّي طموحًا وتحررًا واستقلالًا.

الاستقلالية ليست أن تكوني وحدك، بل أن تكوني قادرة. ليست أن تبتعدي، بل أن تختاري عن وعي. ليست أن ترفعي سقف أحلامك خارج بيتك، بل أن تحمليه من داخله وبفضله.


ولذلك جاء التوجيه الرباني العميق: «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» لا لينزع المرأة من دورها في الحياة، وإنما ليحفظ لهذا الدور جذره، فتخرج حيث تشاء، وتشارك حيث تشاء، ويبقى البيت ثابتًا في قلب الرحلة، لا ضحيةً على طريقها.

إذا كان للمرأة طموح فليس شرطًا أن يكون على حساب بيتها. وإن كان لها مستقبل فليس من الحكمة أن يُبنى على فراغ عاطفي يترك أبناءها يبحثون عن أمهم في ذكريات قديمة.

فالنجاح لا قيمة له إن خسرنا بسببه أهم ما نملك. هذه ليست عودة للوراء، بل حفاظ على ما لا يعوّضه التقدم كله. وليست دعوة للصمت، بل دعوة للوعي. وليس تحريضًا ضد الطموح، بل حماية لثمنه قبل دفعه.

الاستقلال الذي يبدأ بخسارة الأسرة.. لا يسمى استقلالًا. والمرأة التي تضيّع ذاتها وهي تبحث عنها.. لم ولن تجد شيئًا.