يناقش الدكتور مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي علاقة الإنسان بالتقليد وانعكاسها على طريقة التفكير، وحدود الرؤية لدى بعض المجتمعات. إذ يشير الكاتب إلى أن الإفراط في التمسك بالتقاليد، والعودة المستمرة إلى الماضي، لا يعنيان بالضرورة حفاظًا على الهوية للفرد أو المجتمع، بل قد يصبحان شكلًا من مظاهر التخلف الاجتماعي. فالمسألة، بحسب طرحه، لا تتعلق بالماضي في ذاته من قوانين وثوابت، بل بكيفية تحوله من ذاكرة ثقافية إلى إطار مغلق يقيد الحاضر ويحد من إمكانات الإنسان في التطور الاجتماعي. وفي أحد فصول الكتاب، يتوقف حجازي عند موضوع لا يمكن تجاهله، خصص له فصلاً بعنوان: «التمسك بالتقليد والرجوع إلى الماضي المجيد «السلفية»، قائلًا: الإنسان المتخلف، كالمجتمع المتخلف، سلفي أساساً، يتوجه نحو الماضي ويتمسك بالتقاليد والأعراف بدل التصدي للحاضر والتطلع إلى المستقبل.

فالماضي لا يتحول إلى مشكلة إلا حين يُتخذ مرجعاً وحيداً للحياة، كما أن بعض المجتمعات التي تُفرط في التمسك بالأعراف لا تفعل ذلك بدافع الوفاء للتاريخ، بل نتيجة خوف غير معلن من التغيير. وحين يتوقف الحاضر عن المراجعة والتطوير، يعجز عن رؤية ما يتجاوز لحظته. فالتقاليد، في أصلها، نتاج تجربة إنسانية قديمة، قابلة للتغير والتكيف وفق ثوابت دينية وعلمية، إلا أنها في المجتمعات المتخلفة تُرفع إلى مرتبة القواعد الثابتة التي لا تقبل النقاش. ونتيجة لذلك، يصبح الإنسان محكوماً بما كان، لا بما يمكن أن يكون.

ويتميز طرح الكاتب بأنه لا يهاجم الأعراف من موقع عدائي، بل يلامس دوافعها النفسية والاجتماعية وأثرها في الوعي الجمعي. فهو يرى أن الإنسان الذي يعيش في بيئة اعتادت التكرار تتكون لديه نظرة دونية لكل ما هو مختلف أو جديد، حتى لو كان هذا المألوف لا يحمل جديدًا. فالتقليد يمنح شعورًا بالأمان، لكنه في الوقت ذاته يسلب القدرة على التساؤل، ويؤجل مواجهة الواقع بدل فهمه، وكأن الماضي يمتلك إجابات جاهزة لكل أسئلة الحاضر.


هذه النظرة المحدودة لا تقف آثارها عند الجانب الفكري فقط، بل تنعكس على العلاقات الاجتماعية اليومية. إذ تسود ثقافة الحكم المسبق، ويُقاس الأفراد بمدى التزامهم بالمظهر الخارجي، لا بعمق إنسانيتهم أو وعيهم. فالشخص الذي يفكر بطريقة مختلفة يُواجه سريعًا بالاتهام بالغرابة أو الانحراف، لا لأنه أخطأ، بل لأنه خرج عن النموذج السائد. وبهذا تتشكل بيئة اجتماعية تميل إلى التصنيف بدل الاحتواء، وإلى الإقصاء بدل الحوار. ولعل الأخطر من ذلك أن المجتمع نفسه يتحول إلى طرف فاعل في إعادة إنتاج هذه الدائرة المغلقة من جديد.

وعلى هذا الأساس، يوضح الكاتب أن المجتمع الذي يعيش على الماضي قد يظن أنه يحمي نفسه من التفكك، بينما هو في الواقع يعيق قدرته على التجدد. فكثير من المشكلات الاجتماعية لا تنشأ من نقص القيم فحسب، بل من تحول الأعراف إلى قواعد غير قابلة للمساءلة، فتفقد مرونتها وقدرتها على مواكبة تغير الزمن، ويصبح الإنسان مطالبًا بالتكيف معها، لا العكس، حتى وإن تعارضت مع احتياجاته النفسية أو الإنسانية.

ويرى الكاتب أن محدودية الأفق ليست عيبًا أخلاقيًا، وإنما نتيجة تراكمات طويلة من القهر والتعود على نمط واحد من التفكير. وتتضح أهمية هذا الطرح في تركيزه على البعد الإنساني وعلى ما يسميه العجز الاجتماعي. فحجازي لا يقدم الإنسان في المجتمعات التقليدية بوصفه مذنبًا، بل يسلط الضوء على أنماط سلوكية تقوم على الخوف من الخطأ، والخوف من الاختلاف، والخوف من الخروج عن الدور المرسوم سلفًا. ويشير الكاتب إلى أن المرأة غالبًا ما تكون الساحة الأوضح لهذا التمسك، حيث تُحمل مسؤولية الحفاظ على الأعراف أكثر من غيرها؛ فتُراقب اختياراتها، وتُقاس قراراتها بمعايير صارمة، لا لأن الخطأ محتمل، بل لأن الخروج عن المألوف يُخشى منه. وفي هذه الحالة تصبح التقاليد ثقلًا نفسيًا أكثر من كونها قيمة اجتماعية.

وفي الختام، يقدم حجازي رؤية للتخلف الاجتماعي بوصفه أزمة وعي قبل أن يكون أزمة موارد؛ رؤية تدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بالماضي، لا من أجل القطيعة معه أو إنكار أثره، بل من أجل تحريره والنظر إليه بعين ناقدة، تتيح التمييز بين ما يدعم الإنسان وما يقيده. فالماضي، حين يُفهم بمرونته، يمكن أن يكون مصدر إلهام. وهنا يترك حجازي سؤالاً مفتوحًا: هل نحمي هويتنا بالتمسك بالماضي، أم نقيد أنفسنا حين نصر على العيش داخله؟