إذا ما صادفك مشهد أحد ذوي الاحتياجات الخاصة، يسقط فوق ممر خاص بذوي الاحتياجات، وهو يهم بدخول سوق أو محل تجاري، فاعلم أن هناك مخالفات صريحة للشروط المعتمدة للممرات والمداخل الآمنة، تستوجب وقفة صارمة من الجهات المختصة، لمعرفة أسبابها التي يبدو أنها منتشرة هنا وهناك، ووقفة تتطلب المعالجة العاجلة والدائمة.

تعمل وزارة البلديات والإسكان على توفير بنية تحتية متكاملة، ومرافق عامة نموذجية، تلائم ذوي الاحتياجات، تشمل ممرات آمنة للمشاة، ومنحدرات مريحة، مع الحرص على تعزيز الاستفادة القصوى من هذه البنية، عبر تحديد معايير بناء دقيقة، تراعي ظروف ذوي الاحتياجات، على اختلاف إعاقاتهم، بهدف دمجهم في المجتمع.

وأصدرت الوزارة حزمة أنظمة ولوائح، لضمان تطبيق هذه المعايير أثناء تصميم المباني والطرق والمرافق العامة، لتعزيز سهولة الوصول والتحرك، كما اشترطت على المنشآت التجارية والإدارية والسكنية أيضاً، إنشاء ممرات آمنة، باشتراطات محددة، لذوي الاحتياجات، ووصلت هذه الاشتراطات إلى مكونات الأسواق العامة، بعدما لُوحظ أن بعض المحال التجارية باختلاف أنشطتها، سواء داخل المجمعات التجارية، أو في الشوارع، تتجاهل جوانب من هذه الاشتراطات، ما قد يتسبب في وقوع بعض حوادث السقوط لذوي الاحتياجات، إذا ما أرادوا دخول هذه الأسواق، والتعامل مع متاجرها.


البيئات العمرانية

يشير المهندس شاكر نوح إلى أن تأمين الممرات الآمنة والمنحدرات (الرامب) المخصّصة لذوي الاحتياجات الخاصة، يعد من الأمور الأساسية في تطوير البيئات العمرانية والمواقع الحضرية. وقال «يعكس ذلك مستوى الوعي الحضاري والإنساني في تصميم المدن والمرافق العامة والخاصة»، مؤكداً أن «ضمان سهولة الوصول والحركة لجميع فئات المجتمع، يعد حقاً أصيلاً، لا يمكن إنكاره، لا سيما لمن يستخدمون الكراسي المتحركة أو الأدوات المساندة، وكبار السن، والمصابون بإعاقة ما».

وأكمل «هذه الممرات من العناصر الرئيسة في برامج أنسنة المدن وجودة الحياة، التي ركزت عليها رؤية المملكة 2030، حيث تساهم هذه الممرات والرامبات في تعزيز استقلالية الأفراد، وتمكينهم من المشاركة الفاعلة في الأنشطة اليومية دون عوائق، مما يعزز دمجهم الاجتماعي ويحد من إقصائهم أو تهميشهم، كما تسهم في حماية هذه الفئات من مخاطر السقوط أو الإصابات الناتجة عن غياب مسارات مناسبة أو تهيئة غير مطابقة للمواصفات الهندسية».

مواصفات دقيقة

يوضح نوح أن المعايير والتشريعات الهندسية الحديثة، توصي بتوفير منحدرات بمواصفات دقيقة تتعلق بدرجة ميل الرامب، وعرضه، مع التشديد على وجود «الدرابزين»، والأسطح المقاومة للانزلاق، فضلاً عن مواقف السيارات المخصّصة والقريبة من المداخل، وذلك استناداً إلى مبادئ الوصول الشامل التي تهدف إلى جعل المدن والمباني والخدمات صديقة للإنسان وفي متناول الجميع، دون استثناء.

وعاد للتأكيد على أن «توفير هذه الأمور، لا يحقق مكاسب إنسانية واجتماعية فحسب، وإنما يحمل آثاراً اقتصادية وتنموية إيجابية، تتمثل في زيادة فرص مشاركة ذوي الإعاقة في مختلف مناحي الحياة، ورفع جودة الخدمات، وتقليل التكاليف الناتجة عن الحوادث والإصابات، وبذلك يصبح تصميم المدن الصديقة لذوي الاحتياجات الخاصة، جزءاً لا يتجزأ من مسارات التنمية المستدامة وبناء المجتمعات المتقدمة».

ممارسات غير موفقة

يؤكد نوح أنه على الرغم من التطور الذي حدث في هذا الجانب، إلا أن هناك بعض الممارسات والتجارب غير الموفقة في بعض المواقع، قد تتسبب في إصابات خطرة لذوي الاحتياجات بسبب عدم مطابقتها للمواصفات الهندسية والمعايير الفنية، ولذا ندعو الجميع إلى ضرورة الالتزام بالمواصفات الهندسية لتنفيذ تلك المسارات، كما نطالب الجهات المعنية، خاصة البلديات، بإيلاء هذا الموضوع أهمية كبرى، وتكثيف الرقابة والتأكيد على الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية، أن تكون القدوة في تطبيق هذه المعايير، حتى تكون مدننا وقرانا صديقة للإنسان».

معايير التصميم

من جانبه، ركز حسين العبيدان الحاصل على دبلوم في الرسم الهندسي، على معايير تصميم ممرات آمنة ومهيأة يستخدمها ذوو الاحتياجات الخاصة أثناء تعاملاتهم اليومية، وقال «يجب التأكيد على أن تصميم الممرات المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، ليس مجرد إضافة إنشائية، بل هو عنصر أساسي من عناصر جودة الحياة، يضمن لهم حركة آمنة، واستقلالية، وكرامة كاملة».

وتابع «بشأن درجة الانحدار، يجب أن يكون الميل تدريجيًا ولطيفًا، بحيث لا يتجاوز نسبة 1 إلى 12، أي أن كل سم متر واحد ارتفاع، يحتاج إلى 12 سنتيمتر امتداداً أفقياً، لضمان سهولة الحركة».

وتطرق إلى شكل المداخل القصيرة، وقال «يُفضَّل تخفيف الميل فيها أكثر، لرفع مستوى الأمان، ويُمنع وجود تغيّر مفاجئ في الانحدار عند بداية المنحدر أو نهايته»، مشدداً على أهمية «أن يكون عرض المسار 90 سم على الأقل»، واصفاً ذلك بأنه «الحد الأدنى المقبول للعرض، ويُستحسن أن يصل إلى 120 سم، لتوفير مساحة كافية للدوران والمناورة، شريطة أن يكون الممر خاليًا من أي عوائق أو بروزات قد تعيق الحركة فوقه».

الزوايا الحادة

بشأن نوع الأرضية، قال العبيدان «يجب اختيار سطح مضاد للانزلاق، حتى عند تعرضه للماء، ويُمنع استخدام الرخام المصقول أو السيراميك الناعم جدًا، ويُفضَّل اعتماد بلاط مخصص للسلامة أو خرسانة معالجة بمواد مانعة للانزلاق»، مبيناً بعض الشروط الخاصة بحواف الممرات، وعناصر الأمان فيها، وقال «يفضل الابتعاد عن الزوايا الحادة في كامل المسار، وتوفير حاجز جانبي بارتفاع يتراوح بين 5 و7 سنتيمترات، لمنع خروج العجلات عن المسار، إلى جانب درابزين على الجانبين، إذا تجاوز ارتفاع المنحدر 15 سنتيميتراً».

الارتفاع المناسب

حدد العبيدان شروط الدرابزين، قائلاً «لا بد أن يتراوح بين 85 و95 سم، ويجب أن يكون متصلًا دون انقطاع، ونهاياته تكون مستديرة وآمنة وغير حادة»، متطرقاً إلى مناطق التوقف فوق المنحدر، وقال «إذا تجاوز طول المنحدر 9 أمتار، يجب توفير بسطة استراحة عليه، لا تقل أبعادها عن 150 × 150سم، إذ إن وجودها ضروري لمنح المستخدم فرصة للراحة، وتعزيز التحكم».

التمييز البصري

فيما يتعلق بالإضاءة والتمييز البصري، بين العبيدان أنه «يجب توفير إضاءة واضحة في جميع الأوقات، ويُفضَّل وجود تباين لوني بين الممر وما حوله، لتسهيل الرؤية، خصوصًا لذوي الإعاقة البصرية»، مُشدداً على أهمية أن «يكون مدخل ذوي الإعاقة قريبًا من المدخل الرئيس، أو مساويًا له في المستوى، وأن يكون جزءًا من مسار الدخول الطبيعي، وليس خيارًا ثانويًا».

وتناول أخطاءً شائعة، دعا إلى تجنّبها عن إنشاء ممرات خاصة بذوي الإعاقة، وقال «البعض يرتكب هذه الأخطاء دون تعمد، ومن هنا وجب الانتباه إليها، وهي أن تكون زوايا الممر حادة عند بداية المدخل، مع انحدار شديد وغير آمن، أو أن يكون المنحدر قصيراً، لكنه مرتفع جدًا، وأرضيته قابلة للانزلاق»، مبيناً أن هناك تصاميم شكلية، لا تخدم الاستخدام الحقيقي.

الوصول الشامل

في ذات السياق، قال المهندس عبد الإله الصويلح «تدخل الممرات الآمنة ضمن معايير الوصول الشامل التي باتت جزءًا من تصميم وتطوير البيئات المادية والرقمية على حد سواء. وتسعى هذه المعايير إلى تحقيق التكافؤ والتمكين للجميع، بغض النظر عن القدرات البدنية أو الحسية. ومع ذلك، يبقى النقاش قائمًا حول ما إذا كانت هذه المعايير مجرد حاجة أساسية أم رفاهية إضافية».

وتعد معايير الوصول الشامل والبنية التحتية في السعودية من المواضيع الحيوية التي تهدف إلى تعزيز جودة الحياة لجميع الأفراد، وخاصة ذوي الإعاقة وكبار السن بهدف توفير بيئة شاملة ومستدامة.

تعريف الوصول الشامل

الوصول الشامل هو مفهوم يهدف إلى إزالة العوائق التي تعترض طريق الأفراد ذوي الإعاقة أو الاحتياجات الخاصة، سواء أكانت هذه العوائق فيزيائية أو رقمية أو اجتماعية. يشمل ذلك تصميم المباني، وتوفير التكنولوجيا المساعدة، وضمان وصول الجميع إلى المعلومات والخدمات.

أهمية الوصول

أبان الصويلح أن أهمية الوصول الشامل تكمن في:

1. تحقيق المساواة: يضمن الوصول الشامل تحقيق المساواة في الوصول إلى الفرص والخدمات.

2. تحسين نوعية الحياة: يسهم في تحسين نوعية الحياة للأفراد ذوي الإعاقة وكبار السن.

3. دعم الاقتصاد: يعزز المشاركة الاقتصادية من خلال تمكين الجميع من الوصول إلى أماكن العمل والتسوق والخدمات.

أما عن معايير البنية التحتية للوصول الشامل، فقد ذكر أن معايير الوصول الشامل تتضمن عددا من النقاط التي يجب على الوزارات والجهات الحكومية الالتزام بها، ومنها:

1. التصميم الشامل للمباني والمرافق العامة:

يجب أن تكون جميع المباني الحكومية والمرافق العامة مصممة لتلبية احتياجات الجميع، والتي يتم أخذها بعين الاعتبار ضمن معايير الوصول أثناء التصميم، ويتم فيها رحلة ذوي الاحتياجات من الدخول وحتى استكمال جميع الإجراءات، وتكون سهلة الوصول للجميع. على سبيل المثال:

* توفر مواقف مخصصة لهم قريبة من المداخل الرئيسة للمواقع ولا يسمح لغيرهم بالوقوف فيها.

* وجود مسارات أرضية خارجية من المواقف المخصصة للمدخل.

* توفر منحدرات مصممة بطريقة مائلة وأرضيات مانعة للانزلاق.

* توفر درابزين مصمم بلغة برايل لتمكنهم من قراءة ومعرفة خارطة الموقع.

* أن تكون المداخل بأبواب أتوماتيكية منزلقة.

* وجود كراسي لذوي الاحتياجات بالقرب من المداخل.

* توفر شاشات ناطقة ومسارات أرضية لمعرفة الاتجاهات.

* توفر استقبال مخصص ذو ارتفاعات تمكنهم من الاستفسار وإنهاء الإجراءات.

* توفر أماكن انتظار واستراحات تضمن لهم أماكن مخصصة لهم وعدم انتظارهم بالممرات.

* توفر دورات مياه ذات اشتراطات مخصصة لهم.

* أخيراً توفر بطاقة أولوية تمكنهم من إنهاء جميع الإجراءات دون الحاجة للبقاء طويلاً في الموقع.

2. التقنيات المساعدة:

توفير التكنولوجيا المساعدة مثل البرمجيات الداعمة للأشخاص ذوي الإعاقات البصرية والسمعية في المواقع الإلكترونية والخدمات الرقمية.

3. التدريب والتوعية:

تقديم برامج تدريبية وورش عمل للموظفين الحكوميين لزيادة الوعي حول احتياجات ذوي الاحتياجات الخاصة وكيفية التعامل معهم بفعالية واحترام.

4. القوانين والتشريعات:

وضع لوائح وأنظمة تدعم حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وتكفل لهم حق الوصول إلى جميع الخدمات الحكومية.

تحديات وفرص

لفت الصويلح إلى أن العمل على الممرات والمداخل الآمنة لذوي الاحتياجات يواجه بعض التحديات التي من أبرزها:

* التنفيذ الفعّال: قد تواجه بعض الوزارات صعوبة في التنفيذ الفعّال للمعايير بسبب البنية التحتية القديمة أو نقص الموارد المالية.

* التوعية المجتمعية: الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الوصول الشامل ودمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع.

وفي جانب آخر هنالك فرص تشمل:

* تحسين جودة الحياة: الاستثمار في الوصول الشامل يعزز من جودة الحياة للجميع ويخلق بيئة أكثر شمولية.

* التقدم التكنولوجي: الاستفادة من التطور التكنولوجي لتقديم حلول مبتكرة لدعم الوصول الشامل.

وأكد أن تطبيق معايير الوصول الشامل يساهم في تعزيز المشاركة الفعالة للأشخاص ذوي الإعاقة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤدي إلى:

* زيادة الإنتاجية: من خلال تمكين الأفراد من المشاركة في سوق العمل.

* تحسين جودة الحياة: عبر توفير بيئة تتيح للجميع العيش بكرامة واستقلالية.

* تعزيز التماسك الاجتماعي: من خلال بناء مجتمع أكثر شمولية وعدالة.

منوها إلى أن رؤية 2030 تشدد على أن الوصول الشامل ليس فقط حقًا من حقوق الإنسان، بل هو أيضًا فرصة لتطوير المجتمع بأكمله من خلال إشراك جميع أفراده في بناء مستقبل أفضل.