هذه التجارب، التي يقودها مزارعون من أبناء نجران، تعكس قدرة المنطقة على التكيف الزراعي بفضل ما تتمتع به من خصوبة في التربة، وتنوع مناخي، وتوافر نسبي للمياه، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز الاستدامة الزراعية، وتحقيق الأمن الغذائي.
وأكد مختصون ومزارعون أن زراعة الأرز في نجران لم تعد مجرد تجربة محدودة، بل أصبحت واقعًا ميدانيًا أثبت نجاحه، وفتح آفاقًا جديدة لتنويع المحاصيل الزراعية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم الاقتصاد المحلي.
محاصيل ذات جدوى
أشار الخبير الزراعي علي آل حارث، وهو أحد رواد هذه التجربة في نجران، إلى بداياته مع زراعة الأرز، موضحًا أن الفكرة انطلقت من رغبته في البحث عن محاصيل ذات جدوى اقتصادية، وقادرة على التكيف مع طبيعة المنطقة.
وأوضح: «استغرب كثيرون في البداية فكرة زراعة الأرز في نجران، نظرًا لارتباط هذا المحصول في الأذهان بمناطق محددة، إلا أن النتائج الميدانية أثبتت نجاح التجربة».
وتابع: «بدأ العمل بمساحة محدودة، بعد إجراء تحاليل للتربة وفحوص لمصادر المياه، والاستفادة من الإرشادات الزراعية والتجارب المشابهة».
وأكد أن «التربة في عدد من مزارع نجران تتميز بقدرتها على الاحتفاظ بالرطوبة، واحتوائها على عناصر غذائية ملائمة، وهو ما ساعد على نجاح المحصول منذ الموسم الأول».
التحدي الأبرز
بيّن آل حارث أن «إدارة المياه شكلت التحدي الأبرز، إلا أن استخدام تقنيات الري الحديثة، وتنظيم فترات الغمر والتجفيف، أسهما في رفع كفاءة الاستخدام وتقليل الهدر». كما أشار إلى أن «درجات الحرارة في نجران، مع اعتدالها النسبي خلال الليل، أسهما في تحسين نمو النبات وجودة الحبوب».
وعن نتائج التجربة، أكد أن «الإنتاج جاء مشجعًا من حيث الكمية والنوعية، ما دفعني إلى التوسع في المساحات المزروعة خلال المواسم اللاحقة».
وأضاف: «النجاح لم يكن اقتصاديًا فقط، بل أسهم في تغيير قناعات عدد من المزارعين حول إمكانية زراعة الأرز في المنطقة»، لافتا إلى تطلعه إلى تطوير التجربة مستقبلًا من خلال إدخال أصناف جديدة، وتعزيز التعاون مع الجهات المختصة في مجال الإرشاد والبحث الزراعي.
دراسة واختيار
شدد آل حارث على أنه لا بد من توافر جملة من الشروط التي يجب على المزارعين الراغبين في زراعة الأرز بنجران الأخذ بها، مؤكدًا «أهمية دراسة الأرض والتربة قبل الزراعة، واختيار الأصناف المناسبة للبيئة المحلية».
كما نصح بمراقبة صحة المحاصيل باستمرار، والتعرف على الأمراض والآفات مبكرًا، وتطبيق المبيدات عند الحاجة فقط، مع الالتزام التام بفترة التحريم بعد الرش، لضمان سلامة المنتج.
وشدد على الإدارة السليمة للمياه باستخدام تقنيات الري الحديثة، وتنظيم الغمر والتجفيف، مع التحول التدريجي نحو الزراعة العضوية، أو تقليل استخدام الأسمدة الكيميائية، والاعتماد على الأسمدة الطبيعية المعالجة، لتعزيز جودة المحصول واستدامة التربة.
وختم: «الاستثمار في الأرض يتطلب صبرًا ومعرفة، ومن يعتني بها بكفاءة ستجزيه بأفضل إنتاج، وتجربة الأرز في نجران دليل واضح على الفرص الواعدة للمزارعين الطموحين».
عوامل مؤثرة
من جهته، أكد المزارع قصيلة آل همام أن المناخ والتربة في نجران يمثلان عاملين رئيسين في نجاح هذه زراعة الأرز، موضحًا أن اهتمامه بزراعة الأرز جاء بعد ملاحظته قدرة الأرض على الاحتفاظ بالمياه، بالإضافة إلى اعتدال الأجواء خلال موسم الزراعة مقارنة بمناطق أخرى.
وأشار إلى أن «نجران تتميز بتنوع جغرافي ومناخي، ما يجعلها مؤهلة لزراعة محاصيل متعددة»، موضحا: «التربة الطمية في بعض الأودية تشكل بيئة مناسبة لنمو الأرز».
وعن تجربته، قال: «ركزت على اختيار الأصناف الملائمة، وتحسين التربة باستخدام المواد العضوية، وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، ما انعكس إيجابا على جودة المحصول».
وأكد أن «زراعة الأرز لا تعني بالضرورة استنزاف الموارد المائية، فالإدارة الجيدة للري واستخدام الأساليب الحديثة يحققان توازنًا بين الإنتاج والمحافظة على المياه».
وبيّن أن المحصول المنتج يتميز بجودة عالية من حيث الحجم والطعم، ما يعزز فرص تسويقه محليًا، ويضيف قيمة اقتصادية للمنتج الزراعي في المنطقة.
عملية متكاملة
بدوره، أكد المزارع محمد آل منصور أهمية رفع مستوى الثقافة الزراعية لدى المزارعين والمستهلكين على حد سواء، موضحا: «الزراعة ليست مجرد غرس بذور أو شتلات، بل عملية متكاملة تتطلب رعاية ومتابعة دقيقة لجميع مراحل النمو».
وأفاد: «من أهم أسس النجاح الزراعي معرفة نوع المرض الذي يصيب المحصول، وتحديد العلاج المناسب له، والتمييز بين استخدام المبيدات للوقاية أو للعلاج، وكذلك التفريق بين المبيدات الحشرية والفطرية»، مؤكدًا أن الالتزام بفترة التحريم بعد استخدام المبيدات يعد من أهم الجوانب الأخلاقية والمهنية في العمل الزراعي، لما له من دور في ضمان سلامة المنتج وصحة المستهلك.
ودعا إلى التوجه نحو الزراعة العضوية أو التقليل من استخدام الأسمدة الكيميائية قدر الإمكان، والاعتماد على الأسمدة الطبيعية المعالجة، لما لها من أثر إيجابي في تحسين جودة المنتج، والحفاظ على خصوبة التربة واستدامتها للأجيال المقبلة. كما وجه رسالة للشباب السعودي، مؤكدًا أن الاستثمار في الزراعة التقنية الحديثة يمثل مستقبلًا واعدًا، خاصة في ظل الدعم الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع.