في الوقت الذي تتسابق فيه الدول الكبرى لتطوير تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تحت الماء، تبرز السعودية كلاعب رئيس في هذه الثورة التكنولوجية في المنطقة والعالم. فبينما تستثمر وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية ملايين الدولارات في مشروع «Trenton» البحثي، تضع السعودية أسساً صلبة من خلال مشاريع عملاقة بقيمة 500 مليار دولار في نيوم، وبنية تحتية نفطية بحرية تنتج 800 ألف برميل يومياً، وأكبر مشروع لاستعادة الشعاب المرجانية عالمياً بطاقة 400 ألف مرجان سنوياً، لتضع نفسها في موقع فريد للاستفادة من تقنية قد تتحول سوقاً بقيمة 238 مليار دولار بحلول 2030.

وتكشف أرقام السوق العالمية عن فرصة اقتصادية ضخمة تنتظر من يستغلها، فسوق الخرسانة تحت الماء الذي بلغت قيمته 126.69 مليار دولار في 2023، يتجه بقوة نحو تحقيق 238.67 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعاً بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.46%.

ويعكس هذا النمو المتسارع حاجة عالمية ملحة إلى تقنيات أكثر كفاءة في بناء وصيانة البنية التحتية البحرية، من الموانئ والجسور إلى منصات النفط ومزارع الرياح البحرية.


بالتوازي، تشهد سوق خدمات البناء تحت الماء قفزة نوعية من 13.26 مليار دولار في 2024 إلى 21.54 مليار دولار متوقعة بحلول 2033. وهذا التوسع السريع يعود إلى محدودية الطرق التقليدية التي تعتمد على غواصين متخصصين بأجور مرتفعة، ومعدات ضخمة، وأوقات عمل قصيرة محكومة بالظروف البحرية القاسية. وتجعل هذه التكاليف الباهظة للطرق التقليدية التقنيات المتقدمة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد تحت الماء ليست مجرد خيار تكنولوجي، بل ضرورة اقتصادية.

أساس سعودي قوي

لم تنتظر السعودية نضج التقنية لتبدأ الاستعداد لها، بل وضعت أساساً قوياً في الطباعة ثلاثية الأبعاد للبناء منذ سنوات. ففي عام 2019، حصلت شركة Elite للبناء والتطوير على طابعة BOD2 من شركة COBOD الدنماركية، وهي أكبر طابعة بناء ثلاثية الأبعاد في العالم، لتلبية متطلبات رؤية 2030 التي تستهدف بناء 1.5 مليون منزل في العقد الأول. هذه الخطوة الاستباقية جعلت المملكة من بين أوائل دول الشرق الأوسط في تبني هذه التقنية الثورية.

تقدر قيمة سوق تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد للبناء في السعودية بنحو 280 مليون دولار بحلول 2027، مما يعكس التزام المملكة بتحويل قطاع البناء بالكامل.

وكانت شركة دار الأركان، وهي إحدى الشركات العقارية الرائدة، أنجزت أول فيلا مطبوعة ثلاثية الأبعاد في 2022، قبل أن توسع تطبيقاتها لتشمل مشاريع تجريبية مع أرامكو، تركز على المباني الصناعية وحتى مسجد مطبوع ثلاثي الأبعاد. وهذا التنوع في التطبيقات يشير إلى نضج تكنولوجي يمكن تحويله للبيئة البحرية.

التطبيقات النفطية

تأتي أهم إشارة على توجه السعودية نحو التقنيات البحرية المتقدمة من قطاع النفط والغاز. ففي يونيو 2024، أعلنت شركة JGC Holdings اليابانية استخدام طابعة COBOD ثلاثية الأبعاد في منشأة المعالجة المركزية بحقل «زلف» النفطي البحري الضخم، الذي يحتوي على 31 مليار برميل نفط مكافئ، وينتج حالياً 800 ألف برميل يومياً، يشهد مشروع توسعة يستهدف زيادة الإنتاج بمقدار 600 ألف برميل يومياً.

استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لبناء جدار مبنى تخزين كيميائي بمساحة 340 متراً مربعاً في موقع بحري نائي يكشف عن إمكانات هائلة. إذا كانت التقنية قابلة للتطبيق فوق الماء في بيئة بحرية قاسية، فإن الخطوة التالية المنطقية هي التوسع تحت الماء لصيانة وإصلاح آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب وعشرات المنصات البحرية.

وتقدر الوفورات الاقتصادية المحتملة من تقليل تكاليف الصيانة التقليدية بملايين الدولارات سنوياً.

نيوم البحرية

في قلب الطموحات السعودية البحرية، يقف مشروع نيوم البالغ قيمته 500 مليار دولار كأضخم مختبر حي لتقنيات البناء المتقدمة. ميناء أوكساجون الذي وصل البناء فيه إلى نسبة إنجاز 68%، يهدف لاستيعاب أكبر سفن الحاويات في العالم.

الأرقام تتحدث عن نفسها، 4.6 كيلومترات من جدران الأرصفة، و7 أرصفة بأعماق تتراوح بين 10.5 و18.5 متراً، أنجزت في عامين فقط بواسطة شركة BESIX البلجيكية.

مما يجعل نيوم فريداً هو تبنيه لأول رافعات آلية يتم التحكم بها عن بُعد في السعودية، مما يعكس التوجه نحو الأتمتة الكاملة في العمليات البحرية. لكن الطموح لا يتوقف عند السطح. مشروع أكويليوم، المجتمع الرقمي المخفي داخل جبال بارتفاع 450 متراً على ساحل خليج العقبة، يتضمن أول مارينا عائمة في العالم وقنوات تحت أرضية مخفية. الأكثر جرأة هو خطة بناء مارينا مخفية تحت الأرض أسفل مدينة «ذا لاين»، بأنفاق محكمة الضغط وأنظمة طاقة احتياطية معقدة.

الاقتصاد السعودي الأزرق

تتجاوز رؤية السعودية البحرية البنية التحتية الصلبة لتشمل الاقتصاد الأزرق بأبعاده البيئية. ففي أبريل 2024، بدأ علماء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية العمل في أكبر مشروع لاستعادة الشعاب المرجانية في العالم.

المشتل الأول على ساحل نيوم سينتج 40 ألف مرجان سنوياً، بينما المنشأة الثانية المقرر اكتمالها في ديسمبر 2025 ستحتضن 400 ألف مرجان سنوياً بتكلفة استثمارية ضخمة.

هذا المشروع الطموح يمثل فرصة اقتصادية مزدوجة: حماية نظام بيئي فريد في البحر الأحمر يضم 265 نوعاً من المرجان و800 نوع من الأسماك، وفي الوقت نفسه خلق سوق جديدة لتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد تحت الماء لبناء هياكل داعمة معقدة تحاكي الشعاب الطبيعية.

التجارب العالمية على الأخص في هونغ كونغ أثبتت فعالية الهياكل المطبوعة ثلاثية الأبعاد في جذب الحياة البحرية، وهو ما يمكن تطبيقه على نطاق أوسع بكثير في مياه السعودية.

القيادة الدولية

في يناير 2025، تولت المنظمة العامة للحفاظ على الشعاب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر «شمس» رئاسة المبادرة الدولية للشعاب المرجانية للفترة 2025 - 2027، مما يعكس اعترافاً عالمياً بجهود السعودية، ويفتح أبواباً واسعة للتعاون التكنولوجي وتبادل الخبرات.

ومن ضمن أولويات المنظمة تعزيز الاقتصاد الأزرق وتطوير مراقبة الشعاب المرجانية باستخدام التقنيات المبتكرة، مما يخلق بيئة مثالية لتطبيق وتطوير تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد تحت الماء.

ويستضيف البحر الأحمر وخليج العقبة التجمع الجيني الوحيد في العالم من الشعاب المرجانية المقاومة للمناخ، وهو كنز بيولوجي واقتصادي لا يقدر بثمن. وحماية هذا الكنز واستعادته تتطلب استثمارات تقدر بمئات الملايين من الدولارات، مما يخلق سوقاً محلياً ضخماً لتقنيات البناء البحري المتقدمة.

التنافسية العالمية

بينما تدخل منافسة « DARPA Trenton» مرحلتها الحاسمة في مارس 2026، حيث ستتنافس فرق من جامعات عالمية على طباعة قوس تحت الماء، تمتلك السعودية ميزة تنافسية فريدة.

الاستثمار الأمريكي في البحث الأساسي بقيمة 1.4 مليون دولار لكل فريق سينتج معرفة علمية قيمة، لكن السعودية تمتلك شيئاً أكثر أهمية: مشاريع حقيقية بمئات المليارات من الدولارات تحتاج هذه التقنية فعلياً.

سوق البناء البحري العالمي المقدر بـ61.74 مليار دولار في 2024 سيصل إلى 83.70 مليار دولار بحلول 2030. والولايات المتحدة أعلنت في أبريل 2024 عن خطة بقيمة 20 مليار دولار لتنشيط بنيتها التحتية البحرية، لكن السعودية تستثمر أضعاف هذا المبلغ في نيوم وحدها، ناهيك عن المشاريع النفطية والصناعية الأخرى.

الفرص المستقبلية

التقاء عدة عوامل يضع السعودية في موقع إستراتيجي فريد: خبرة متراكمة في الطباعة ثلاثية الأبعاد للبناء بقيمة 280 مليون دولار، مشاريع بحرية بمئات المليارات من الدولارات، بنية تحتية نفطية بحرية ضخمة تحتاج صيانة مستمرة، أكبر مشروع عالمي لاستعادة الشعاب المرجانية، وقدرات بحثية عالية في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية.

ومع نضج تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تحت الماء خلال السنوات المقبلة، ستكون السعودية جاهزة ليس فقط لتطبيقها، بل لقيادة تطويرها وتكييفها للظروف الفريدة للبحر الأحمر وخليج العقبة. والنجاح في هذا المجال لن يخدم رؤية 2030 الاقتصادية فحسب، بل سيضع المملكة كمركز عالمي للابتكار في تقنيات البناء البحري المستدام، مما يعزز مكانتها في قيادة الاقتصاد الأزرق العالمي.

حجم السوق العالمية

سوق الخرسانة تحت الماء

126.69 مليار دولار (2023)

238.67 مليار دولار (2030)

معدل النمو السنوي

9.46 %

سوق خدمات البناء تحت الماء

13.26 مليار دولار (2024)

21.54 مليار دولار (2030)