قادت روزي ستانسر بعثة استكشافية بقيادة نسائية، اتبعت مسار درب البخور التاريخي غير المملكة العربية السعودية من أقصى الجنوب إلى الشمال، بامتداد تخطى الـ2000 كلم، قطعته البعثة سيرا على الأقدام.

وعن الرحلة قالت ستانسر في تصريحاتها الخاصة بـ«الوطن» إن «الرحلة سارت على خطى تجّار العصور القديمة الذين كانوا ينقلون البخور وغيره من السلع الثمينة، حيث قطع الفريق المسار سيرًا على الأقدام بمرافقة الجِمال والبدو، عبر الصحارى والأودية، والممرات الجبلية الوعرة، والكثبان الرملية، والصخور البركانية».

وتابعت «تعد هذه الرحلة استثنائية لأنها أُنجزت كرحلة واحدة متواصلة، حيث قمتُ أنا وبوم أوليفر – بصفتها نائبة قائدة الفريق (أي نائبة لي) - بقطع كامل المسار مشيًا على الأقدام. قد تطلّب ذلك قدرًا كبيرًا من الصلابة والقدرة على التحمّل، لا سيّما أنّنا واجهنا ظروفًا مشابهة لتلك التي عرفها سالكو هذا الطريق في العصر النبطي خلال القرن الرابع الميلادي، بدءًا من المسافات اليومية الطويلة حتّى 30 كيلومترًا، وصولًا إلى قسوة المناخ وشحّ الموارد.


وقد تحوّلت مهارات الصمود في الصحراء إلى جزء من حياتنا اليومية: التعامل مع الفروقات الحادة بين حرارة النهار، وبرودة الليل، والعواصف الرملية المفاجئة، والتنبّه المتواصل للحيوانات البرية، فضلًا عن اختيار المسارات الأكثر أمانًا».

وواصلت «خلال الرحلة، تعلّمنا كثيرا من رفاقنا البدو، سواء العلاجات التقليدية – مثل علاج حوافر الإبل المصابة أو الملتهبة - أو خصائص النباتات المحلية، أو حتى وصفات محلية لا نجدها في الكتب. فعلى مدى شهرين و20 يومًا، كانت الرحلة مساحة مفتوحة للاكتشاف والتعلّم والانبهار».

هدف محرض

عن الهدف من البعثة، قالت ستانسر «هدفت البعثة بشكل رئيس إلى تعريف العالم خارج المملكة على الغنى الثقافي الذي يميّز السعودية، وإلى إبراز أهمية هذا الإرث كركيزة أساسية لبناء مستقبل مستدام، بما يتماشى مع رؤية 2030. فقد أتيحت لنا فرصة نادرة لاستكشاف كنوز ثقافية استثنائية، من النقوش الصخرية المحفوظة بعناية في حِمى، ومقابر ومستوطنات الأنباط في العُلا والباحة، مرورًا بقبائل الزهور في عسير وجازان، وصولًا إلى مجتمعات البدو في السهول الصحراوية».

وتابعت «من خلال توثيق الرحلة بالصور ومقاطع الفيديو والرسوم، نأمل أن نقدّم صورة حيّة لتنوّع المشهد الطبيعي في المملكة، وتفنيد الصورة النمطية التي تختزلها في كونها صحراء رملية فقط».

وأكملت «بصفتنا فريقًا نسائيًا، كان من الطبيعي أن يبرز الاهتمام بتغيّر أو تطوّر الدور الذي تؤديه المرأة السعودية في مجتمعها. وقد حرصنا من جهتنا على نقل فهم أعمق لتقاليدها وقيمها، وذلك من خلال اللقاءات المباشرة مع نساء من مختلف المناطق والخلفيات.

ولا يمكن إغفال كرم الضيافة الاستثنائي الذي لمسناه في كل مكان، إلى جانب الرؤية المشتركة لمستقبل مستدام تتجسّد ملامحه بوضوح في مشاريع بارزة مثل نيوم، حيث تمنح العالم لمحة واقعية عن مستقبل لم يعد مجرّد طموح بل أصبح واقعًا يتشكّل يومًا بعد يوم».

جوهرة التاج

بررت ستانسر اختيار المملكة كوجهة لهذه الرحلة الشاقة والرمزية، وقالت «تُعدّ رحلة طريق البخور الجزء الثالث من ثلاثية صحراوية شملت عبور صحارى متباينة حول العالم، من صحراء آرال كوم الحديثة في كازاخستان، إلى اجتياز شبه جزيرة سيناء بمرافقة البدو. وتمثّل هذه الرحلة "جوهرة التاج" في هذه الثلاثية، إذ تجمع بين عمق الإرث التاريخي للمكان ودوره المحوري في بناء مستقبل مستدام».

وتابعت «قليلة هي الوجهات التي تتيح استكشاف هذا التداخل الكبير والواضح بين الماضي والمستقبل. وهذا ما يجعل المملكة خيارًا ملهمًا لأي مستكشف حقيقي يرى أنّ دوره لا يقتصر على الاكتشاف، بل يمتد إلى المشاركة والتثقيف ونقل المعرفة إلى الآخرين».

علاقة خاصة

تؤكد ستانسر أن السير على طريق البخور التاريخي شكل تجربة خاصة بالنسبة لها، وقالت «خلال زياراتي السابقة، نشأت لدي علاقة خاصة وغير متوقعة مع المملكة، بشعبها وثقافتها. وقد عزّزت هذه الرحلة رغبتي في فتح نوافذ جديدة أمام العالم للتعرّف على السعودية كما هي.

ورحلة طريق البخور هي، بلا شك، رحلة تُخاطب روح الاستكشاف في داخلي؛ فالسير على طريق قديم مع إطلالة على ملامح المستقبل يشبه السفر عبر الزمن».

جدول صارم

شددت ستانسر على أن أبرز التحديات التي واجهتها البعثة عبر مختلف تضاريس المملكة خلال الرحلة كانت الالتزام بجدول الرحلة الصارم، وقالت «دفعتنا بعض الأماكن الآسرة بجمالها إلى التوقّف فيها لفترة أطول، إضافةً إلى الاعتذارات المتكرّرة عن دعوات السكان المحليين الكريمة لتناول الطعام، رغم تميّز المطبخ السعودي.

أمّا من الناحية التنظيمية، فتطلّب دوري كقائدة للبعثة اتخاذ قرارات يومية مهمة، وإدارة شؤون التخييم، وتلبية احتياجات أعضاء الفريق ومتطلباتهم، وضمان الوفاء بالتزاماتنا مع شركة محمد يوسف ناغي للسيارات - فورد، وذلك كلّه وسط مناخ حار وتعب شديد بسبب قلة النوم».

كما شكّلت منطقة نيوم تحديًا عمليًا بسبب الامتداد الواسع لمواقع الإنشاء، ما فرض مسارات التفافية طويلة لم تعجز عن لفت أنظارنا إلى حجم الأعمال الجارية«.

وامتدت التحديات إلى جوانب نفسية، حيث تقول »كان من الضروري الحفاظ على تركيز ذهني قوي، خصوصًا بالنسبة إليّ، وإلى بوم أوليفر، كوننا قطعنا المسار كاملًا – أكثر من 2.000 كيلومتر وسط مناظر طبيعية جميلة ومتنوّعة يمكن أن تشتّتنا بكل سهولة. ورغم الرحلة الطويلة، لم تبادر أي منّا إلى الاستماع إلى الموسيقى، لأنّنا اخترنا الاستمتاع بالصمت. حتّى إنّ التكنولوجيا وضعناها جانبًا – حيثما استطعنا – واخترنا أن ننصت إلى حواسنا وحدسنا«.

وتابعت »على الصعيد الشخصي، كان أصعب تحدٍ إكمال أكثر من نصف الرحلة – حوالي 1.500 كيلومتر - بإصابة في القدم (التهاب اللفافة الأخمصية)، من دون مسكنات، حفاظًا على قدرتي على اتخاذ القرارات. كان ذلك مرهقًا بالفعل، غير أنّ فريقي بذل كل ما بوسعه لدعمي ومساعدتي. ففي البعثات الكبرى، نستعدّ لأي ظروف، للألم، للخوف، وللمشقّات بشكل عام. والقاعدة الأساسية؟ ممنوع التذمّر!

أما التحديات المرتبطة بكوننا فريقًا نسائيًا، فقد تلاشت تمامًا أمام الاحترام والتعاون اللذين قوبلنا بهما في كل مكان. فالجميع أظهر اهتمامه بأي توجيهات أو طلبات أو اقتراحات، وكانوا مستعدين للتعاون في أي وقت، بقدر كبير من الصبر«.

عنصر محوري

ركزت ستانسر على أن دعم شركة محمد يوسف ناغي للسيارات - فورد أسهم في نجاح الرحلة، حيث شكل عنصرًا محوريًا، سواء من الناحية التشغيلية أو الأمنية أو اللوجستية. فقد أثبتت كل من مركبة فورد إكسبيديشن ومركبة فورد إيفيريست كفاءتهما العالية في التعامل مع مختلف التضاريس الوعرة التي تطلّبت قوة ومتانة، كما حملتا جميع الإمدادات الأساسية من مياه ومعدات.

كما أدّت المركبتان دورًا حاسمًا في استكشاف الأجزاء الصعبة مسبقًا، وبالتالي تجنّب المسارات غير الصالحة. وكانت فورد إكسبيديشن بمثابة مقرّ عمليات متنقّل، لتأمين أجهزة الاتصال ومصدر الطاقة لشحن جميع المعدات الحيوية مثل أجهزة اللاسلكي، والهواتف المحمولة، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية، وبنوك الطاقة، وأدوات التوجيه. ولا بدّ من التحدث عن حجرات التبريد أو الثلاجات التي شكّلت طبعا »ميزة حيوية« للبعثة وتحوّلت عند كل محطة إلى مصدر فوضى محبّبة يتسارع إليها الجميع.

ومن أجمل اللحظات الدافئة التي أستذكرها، أضواء فورد إكسبيديشن وهي ترشدنا إلى المخيّم في نهاية يوم شاق، بعد غروب الشمس واستنزاف كل ما تبقّى لدينا من طاقة.

وقد لفتنا كثيرًا التشابه الرمزي بين مركبات فورد والإبل: القوة، والقدرة على التحمّل، والصلابة، والوفاء. وبينما يمثّل الإبل تقاليد الماضي، تجسّد مركبات فورد الحاضر والطريق إلى الأمام».

آثار خاصة

تقر ستانسر بأن ذاكرتها طُبعت خلال الرحلة بـ«العفوية المطلقة»، و«الكرم غير المشروط» اللذين التمستهما وبعثتها من المجتمعات المحلية في كل محطة من الرحلة، سواء خلال وليمة أُعدّت لهم في قلب صحراء نائية، أو استقبال رسمي داخل أحد البيوت حيث تعرّفوا إلى النساء، أو حتى عند التقاء سائقين عابرين يتوقّفون بجانبهم لتقديم الماء والطعام. وقالت «أتذكّر مثلًا يوم عيد الميلاد، حين أثقلني ما جمعته وحملته، وتحديدًا 9 زجاجات ماء، و7 حبات برتقال، و4 عبوات بسكويت، وعلبة من الكمكوات!

وفي إحدى المرات أيضًا، بعد أن كنّا قد تسلّقنا واديًا شديد الانحدار بارتفاع يقارب 2.000 قدم وصولًا إلى سهل مكشوف تعصف به الرياح، والبرد فيه قارس، دعانا أحد البدو إلى منزله لنحتمي من الطقس. أجلسنا، وأشعل نارًا كبيرة للتدفئة، وبطريقة لا تزال تثير دهشتي، حضّر لنا وليمة محلية تقليدية من الدجاج والأرز، إلى جانب الشاي العربي الساخن. لا أعلم من أين وفّر كل هذا الوقود والطعام، لكنّنا كنّا ممتنين للغاية. لقد ذكّرنا ذلك اللقاء بأهمية ومتعة العطاء غير المشروط».

سياحة الثقافة والاستكشاف

تعتقد ستانسر أن مثل هذه البعثة تنسجم مع أهداف رؤية السعودية 2030 في مجالات السياحة والثقافة والاستكشاف، وتقول «يندفع كثيرون من خارج السعودية بشغف حقيقي نحو سماع روايات مباشرة عن بلد يتّجه بخطى متسارعة ليصبح وجهة عالمية رائدة في مجال السياحة الراقية والمستدامة. ففي أيامنا هذه، أصبحت الثقافة - القديمة والحديثة - والحياة البرية، والترفيه، وروح المغامرة من المتطلبات الأساسية للمسافر الواعي والملتزم بمبادئ الاستدامة. لذلك، نؤكد من خلال تجربتنا، أنّ المملكة تتفوّق في تلبية جميع هذه التطلّعات. هناك ثروة طبيعية وثقافية استثنائية تمتدّ أمام الزائر، من إحياء أنواع كانت على وشك الانقراض، مثل النعام أحمر الرقبة، والمها العربي، إلى مدافن الحجر التي يعود تاريخها إلى 3 آلاف عام، وصولًا إلى فنون صخرية عمرها 10 آلاف سنة».

وأضافت «كذلك، تحمل السعودية وعدًا حقيقيًا بالاستكشاف والمغامرة. ففي زمننا هذا، يُعدّ السير في مسارات غير مطروقة امتيازًا نادرًا، حتى بالنسبة إلى المستكشفين. وقد بدأت أدرك مدى اتساع الفرص المتاحة لذلك في مختلف أنحاء المملكة، بما يوقظ روح الاستكشاف في داخل كل واحد منّا».

رسالة فخر

تتوقف ستانسر عند الرسالة التي تود أن يحملها القرّاء السعوديون معهم من هذه الرحلة، وتقول «آمل بصدق أن يشارك القرّاء فخرنا بهذه الرحلة، وأن يروا فيها تعاونًا أنجلو-سعوديًا يسلّط الضوء على المملكة، ويعكس احترامنا لإرثها الثقافي وتنوّعها الاستثنائي.

لقد أخذتنا هذه التجربة، فريقي وأنا، في رحلة استثنائية عبر الزمن كشفت لنا تنوّع السعودية بكل روعته، من مناظرها الطبيعية إلى ثقافاتها القديمة والحديثة، وتاريخها، وأصوات أهلها، مظهرةً الطرق العديدة التي يظل فيها الماضي متّصلًا بالحاضر. وقد حظينا بامتياز مشاهدة التحوّل المستمرّ لبلد يقف عند ذروة تغيير جذري».

مشاريع هائلة

من جانبها، تؤكد نائبة رئيسة البعثة، بوم أوليفر أن ما أثار إعجابهم بشدة لم يكن فقط العدد الهائل من مشاريع البنية التحتية الممتدّة من أقصى الجنوب إلى شمال البلاد، بل أيضًا التحوّل الثقافي الواضح في تشجيع النساء على الانخراط في سوق العمل، لا سيّما في المجالات الحرفية، وذلك بفضل التعليم والتدريب اللذين تقودهما جهات مثل مشروع Turquoise Mountain، الشريك الخيري الرسمي لحملتنا«.

أما أرابيلا دورمان، وهي فنانة كانت ضمن فريق الرحلة، فتقول إن »أخذ طريق البخور عبر المملكة يعني السير عبر مسار حيّ يربط التجارة من الماضي بالتحوّل المعاصر الذي يشهده حاضرنا، ويصل التقاليد الماضية بالإمكانات الجديدة. وبوصفي فنانة البعثة، آمل أن أكشف الجمال المذهل، والعمق، والغموض في أرض وشعب ظلّا لفترة طويلة بعيدين عن أنظار العالم«.

وأضافت »لما كانت هذه الرحلة ممكنة دون الترحيب الكريم والدافئ الذي حظينا به على جميع المستويات، وهو ما كان يذكّرنا باستمرار بالعلاقة التاريخية التي تجمعنا، تلك العلاقة التي تحتفي بها البعثة وتسعى إلى تعزيزها وتنميتها في كل المجالات.

وفي نهاية المطاف، يتطلّب التكيّف مع التغير المناخي والعالم المتحوّل روح تعاون عالمية، وينبغي لنا أن ننظر إلى المملكة ونتعلّم منها، لا سيّما أنّها تكشف للعالم رؤيتها الواقعية لمستقبل مستدام".

ـ رحلة استكشافية نسائية اتبعت مسار درب البخور التاريخي غير السعودية

ـ الرحلة امتدت على أكثر من 2000 كلم قطعته البعثة سيرا على الأقدام بمرافقة الجمال والبدو

ـ مسارها مر عبر الصحارى والأودية والممرات الجبلية الوعرة والكثبان الرملية والصخور البركانية

ـ المسير اليومي كان يمتد أحيانا إلى 30 كلم

ـ تشكل البعثة طموحًا صادقًا وشغوفًا لفتح أعين العالم خارج المملكة على ثرائها الهائل من الفرص

ـ تعد الرحلة بمثابة سرد مؤثر لرحلة تاريخية ورائدة ووسيلة فاعلة في إيصال الصورة الحقيقية عن تراث المملكة

ـ الرحلة تعكس اللاحترام لإرث المملكة الثقافي وتنوّعها الاستثنائي

ـ المسار تطلب اقتران الشغف الدائم بالاكتشاف والمعرفة بروح التحمّل والالتزام بالعمل الجماعي

ـ مسار الرحلة تطلب قوة جسدية وذهنية عالية وتحملًا حقيقيًا وفريقًا متميّزًا ومتكاملًا