تفشت في منصات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، حسابات تعلن صراحة عن تزويد الراغبين بـ«تقارير طبية جاهزة» تتنوع من تقارير إجازات مرضية للموظفين، مرورًا بتقارير إثبات إصابات، ووصولًا إلى تقارير نفسية يمكن لمن يحصل عليها من الموظفين تقديمها إلى جهات عملهم.

وأثار هذا التفشي الذي اقترب من كونه ظاهرة، قلقًا قانونيًا وصحيًا واسعًا، وسط تحذيرات من خطورة التعامل مع مثل هذه الحسابات.

جريمة تزوير


يوضح عدد من المحامين أن بيع أو شراء تقرير طبي مزوّر يُعد جريمة تزوير محرر رسمي، خصوصًا إذا كان منسوبًا إلى منشأة صحية أو طبيب معتمد.

ويؤكدون أن استخدام التقرير أمام جهة عمل، أو جهة قضائية، يضاعف المسؤولية، إذ يتحول الأمر من مخالفة إدارية إلى جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى السجن والغرامة، فضلاً عن الفصل من العمل في حال ثبوت تقديم مستند غير صحيح.

وأشاروا أيضًا إلى أن بعض المتورطين قد يواجهون تهمة الاحتيال أو التزوير الإلكتروني إذا تم إصدار التقرير عبر وسيلة رقمية منتحلة لصفة منشأة صحية رسمية، وهو ما يدخل ضمن الجرائم المعلوماتية.

تهديد الثقة

من جانبه، يؤكد رائد أحمد، وهو مسؤول تقارير في إحدى المنشآت الصحية أن هذه الحسابات تسيء إلى سمعة القطاع الصحي، وتهدد الثقة بين المريض والطبيب، وقال «التقرير الطبي ليس مجرد ورقة، بل وثيقة مبنية على فحص سريري، وتشخيص دقيق، ويُعد جزءًا من السجل الطبي للمريض».

وحذر من أن بعض من يشترون هذه التقارير قد يستخدمونها للتهرب من العمل، أو للحصول على تعويضات مالية أو إجازات غير مستحقة، مما يشكل استنزافًا للجهات الحكومية والخاصة، ويؤثر سلبًا على المرضى الحقيقيين الذين يحتاجون فعلاً إلى رعاية وإجازة مرضية.

دعوات للملاحقة

بدوره، طالب المختص التقني سالم المروان بضرورة تكثيف الرقابة على هذه الحسابات، والإبلاغ عنها، إضافة إلى تعزيز التوعية المجتمعية بخطورة التعامل معها.

وأوضح أن وزارة الصحة ربطت التقارير الطبية عن طريق منصة «صحتي»، وهو إجراء قطع الطريق على المحتالين، إلا أن بعض الشركات والمؤسسات قد تعتمد التقارير الورقية، وهذا أسهم في انتشار تلك التقارير المزورة، لذا لا بد من التشديد على جميع القطاعات الخاصة بألا تقبل تقريرًا طبيًا إلا عن طريق منصة «صحتي».

وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، تبقى المسؤولية مشتركة بين الجهات الرقابية، والمؤسسات الصحية، والمجتمع، لوقف هذه الممارسات التي لا تمثل مجرد مخالفة عابرة، بل جريمة قد تترك آثارًا قانونية وأخلاقية بعيدة المدى.

تأثير على العمل

مع تصاعد الحديث عن بيع تقارير طبية عبر وسائل التواصل، عبّر مشرفو شركات ومديرو موارد بشرية عن قلقهم من تأثير هذه الظاهرة على بيئة العمل والانضباط الوظيفي.

وأكد مشرفون في قطاعات خاصة أن الأصل هو الثقة بالموظف، إلا أن تكرار الإجازات المرضية القصيرة، والمتزامنة مع مواسم الذروة أو الإجازات الرسمية، يدفعهم أحيانًا إلى التدقيق في صحة التقارير.

وأشاروا إلى أن ظهور تقارير غير معتمدة، أو صادرة من جهات غير معروفة، يخلق حالة من الشك، تؤثر حتى على الموظفين الملتزمين.

وأوضح منصور كريم، وهو مدير موارد بشرية في شركة خاصة أن «اكتشاف تقرير طبي مزوّر لا يضر الموظف فقط، بل يهز ثقة الإدارة في الفريق بالكامل».

وأشار إلى أن «التقارير غير الصحيحة تتسبب في اضطراب جداول العمل، وتحمّل بقية الفريق أعباء إضافية، وتؤخر إنجاز المشاريع، وتزيد التكاليف التشغيلية نتيجة الاستعانة ببدلاء».

وأوضح «بعض الإدارات تضطر إلى تشديد سياساتها، مثل طلب تقارير من منشآت معتمدة فقط، أو التواصل المباشر مع الجهة الصحية للتحقق، مما يزيد الإجراءات تعقيدًا على الجميع».

بين الحزم والدعم

يشدد كريم على ضرورة التفريق بين حالات التحايل، والحالات المرضية الحقيقية، مؤكدًا أن بيئة العمل الصحية يجب أن تدعم الموظف المريض لا أن تشكك به. ويرى أن الحل لا يكون فقط بالعقوبات، بل بتعزيز ثقافة الأمان الوظيفي، بحيث لا يضطر الموظف للبحث عن تقرير مزوّر خوفًا من الخصم أو فقدان وظيفته.

ربط إلكتروني

طالب كريم بتفعيل الربط الإلكتروني المباشر بين المنشآت الخاصة جميعها ومنصة «صحتي» للتحقق من صحة الإجازات المرضية، إلى جانب توعية الموظفين بالعواقب النظامية لتقديم مستندات مزوّرة، التي قد تصل إلى الفصل وإنهاء الخدمة والمساءلة القانونية.

ويجمع مشرفو الشركات على أن حماية بيئة العمل لا تعني التشكيك في الجميع، بل تحقيق توازن بين الثقة والرقابة، بما يحفظ حقوق الموظف الجاد، ويمنع استغلال النظام من قبل قلة تسيء للآخرين.