وقد تمكنت المملكة العربية السعودية من خلال رؤية السعودية 2030 من تهيئة بيئة جاهزة لهذا التحول الاستثماري في كافة القطاعات. وفي السياحة تحديدًا، عملنا على تطوير القطاع بنظرة تكاملية، لا تقوم على بناء مشاريع ووجهات متفرقة، بل على إنشاء منظومة متكاملة توحد السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكن الاستثمار، وتطور رأس المال البشري، وتضع آليات تنفيذ مدروسة ضمن هيكلية سوق واحدة منسجمة. وقد نجح نهج العمل الحكومي المتكامل هذا في تحويل الطموحات إلى بيئة عمل جاهزة لاستقطاب رؤوس الأموال، مما أوجد مناخًا استثماريًا موثوقًا يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.
وتُظهر الأرقام بوضوح مدى الثقة في هذا النموذج؛ إذ يشهد الاستثمار الأجنبي في المملكة نموًا قويًا وتنوعًا كبيرًا، لا سيما مع بروز الولايات المتحدة ضمن أكبر مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر في المشاريع السياحية، وهو ما يضع المملكة في طليعة دول مجموعة العشرين الجاذبة للاستثمارات السياحية الجديدة.
وعلى الرغم من الاضطرابات المختلفة في المشهد العالمي، تمضي السعودية بخطى ثابتة في تنفيذ أحد أضخم برامج التطوير السياحي في العالم. وما يلفت النظر هو الدور الحيوي للقطاع الخاص ومشاركته الفاعلة في هذا النمو، حيث يُسهم بنحو 48% من إجمالي الاستثمارات السياحية، ونحو 60% من الغرف الفندقية الجديدة، في دلالة قوية على ثقة المستثمرين بمستقبل السوق السعودية.
ويُعزى تفاعل المستثمرين وإقبالهم على القطاع السياحي في المملكة إلى الطلب المتزايد وارتفاع أعداد السياح؛ إذ بلغ عدد السياح في المملكة نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج عام 2025 بحسب الأرقام الأولية، مما يضعنا على المسار الصحيح لتحقيق مستهدف الوصول إلى 150 مليون زائر سنويًا بحلول عام 2030. وهذه الأرقام تحمل دلالات مهمة؛ فهي تؤكد أن السياحة السعودية ليست مجرد طموحات نظرية أو توقعات مستقبلية، بل سوق متنامية تشهد إقبالاً من السياح واستهلاكًا متزايدًا يفتح فرصًا للاستثمار والنمو والازدهار.
وما يميز الاقتصاد السياحي في المملكة، تنوع محركات الطلب فيه؛ حيث يستفيد القطاع في المملكة من الزيارات لأغراض دينية، إلى جانب السياحة الترفيهية، وسياحة الأعمال. إضافة إلى ذلك، يرتكز القطاع على سياحة محلية تتميز بمعدلات إنفاق عالية، ما يحميه ويمكنه من امتصاص الصدمات على نحو قد لا يتوفر في وجهات سياحية أخرى. واليوم، تزداد أهمية هذه القدرات الوقائية، فهي ما يصنع الفارق الحقيقي، ويؤمن حصانة خلال فترات التقلبات الخارجية.
ومن هنا، لا تقتصر الرؤية السياحية السعودية على لغة الأرقام والنمو وحدها، بل تتمحور حول بناء سوق تواكب توجهات رؤوس الأموال؛ سوق تتميز بالمرونة، والجاهزية للتنفيذ، وترتكز على منظومة متكاملة صُممت خصيصًا لخلق قيمة مستدامة على المدى الطويل.
وبالتزامن مع النسخة الرابعة من قمة الأولوية لمبادرة مستقبل الاستثمار التي تُعقد في مدينة ميامي الأمريكية، حيث يجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال، تقدم المملكة نموذجًا لسوق جاهزة تمامًا لاستقطاب الاستثمارات وتأمين عناصر النمو لها. وللمستثمرين الباحثين عن الاستقرار، تبرز المملكة كوجهة استثمارية متميزة بُنيت لتكون منظومة متينة، تخلق قيمة حقيقية ومستدامة لا تقوضها التقلبات العالمية والمتغيرات الخارجية.
* وزير السياحة السعودي.