كثيرون يقفون مع إيران... ليس لأنهم رأوا فيها قوة حقيقية تعيد التوازن، ولا لأن صواريخها غيّرت المعادلات، وإنما لأنهم وجدوا فيها أداة رمزية لتفريغ شعور داخلي لا علاقة له بالقضية كما يُعلنون.
المفارقة أن الشعارات المرفوعة تبدو عالية، تتحدث عن فلسطين، عن المواجهة، عن الكرامة. غير أن الداخل يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. هناك غضب مكتوم، شعور بالخسارة، إحساس بأن العالم يتحرك من حولهم دون أن يكون لهم فيه نصيب. وعندما يرون نماذج نجحت، خصوصًا في الخليج، يتولد ذلك التوتر الصامت: لماذا نجحوا؟ ولماذا لم نكن نحن؟
هذا السؤال لا يُطرح بصراحة، فيتحول إلى مواقف. مواقف تبدو سياسية، وهي في حقيقتها نفسية.
دول الخليج لم تحقق تقدمها عبر الصراخ، وإنما عبر العمل الطويل، بناء المؤسسات، إدارة الموارد، وتطوير الإنسان. هذا النجاح، بدل أن يكون مصدر إلهام، أصبح عند البعض مصدر إزعاج. لأن النجاح يعري الفشل، ويضعه في مواجهة نفسه.
ومن هنا، يصبح الاصطفاف مع أي قوة تعاكس هذا النجاح نوعًا من التوازن النفسي. ليس حبًا في تلك القوة، وإنما رفضًا لصورة أخرى تذكّرهم بما لم يتحقق لديهم.
حتى إيران نفسها، حين تُقرأ بعيدًا عن الخطاب، لا تبدو منشغلة بتحرير بقدر ما هي منشغلة بتوسيع نفوذها. تستخدم القضية كأداة، وتستثمر في الرمزية أكثر من الفعل. وهذا ما يدركه كثيرون، ومع ذلك يستمرون في الانحياز، لأن المسألة لم تعد مسألة قناعة.
هي حالة نفسية مركبة: امتزاج بين الإحباط، والمقارنة، والرغبة في رؤية توازن وهمي يعيد للذات شعورًا مفقودًا.
المؤلم في هذا كله أن القضايا الكبرى تتحول إلى مسارح لتصفية مشاعر صغيرة. وأن الخطاب الذي يفترض أن يوحد، أصبح يكشف عن انقسامات عميقة داخل الوعي العربي.
وفي النهاية، لا يمكن بناء موقف حقيقي على مشاعر مختلطة. ولا يمكن أن تتحقق عدالة في الخارج، بينما الداخل مضطرب إلى هذا الحد.