في تطور سياسي لافت يعكس تحوّلاً في مسار الدولة اللبنانية، أعلن الرئيس جوزيف عون أن لبنان استعاد قراره بعد نحو نصف قرن من الارتهان والتجاذبات الإقليمية، موجهًا شكره للقيادة السعودية ودور واشنطن في دعم وقف إطلاق النار مع إسرائيل. وبينما دخلت هدنة مؤقتة حيّز التنفيذ وسط عودة آلاف النازحين إلى الجنوب والضاحية الجنوبية، تتكشف ملامح مرحلة سياسية جديدة تقوم على إعادة تعريف السيادة اللبنانية، في مقابل ترتيبات أمنية دولية مشروطة، وصراع إقليمي لا يزال مفتوح الاحتمالات.

استعادة القرار

قدّم الرئيس جوزيف عون في خطابه قراءة سياسية تعد الأكثر وضوحًا منذ سنوات في توصيف وضع الدولة اللبنانية، حين أكد أن البلاد لم تعد «ورقة في جيب أحد»، في إشارة مباشرة إلى مرحلة طويلة من الارتهان السياسي والأمني. هذا التحول في الخطاب الرسمي يعكس محاولة لإعادة تثبيت مفهوم الدولة بوصفها صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم، بعيدًا عن مراكز النفوذ المتعددة.


وأكد عون أن المفاوضات الجارية لا تعني تنازلًا أو ضعفًا، بل هي «قرار سيادي نابع من القوة»، مشددًا على أن لبنان لن يسمح بعد اليوم بأن يُستنزف شعبه في صراعات الآخرين، في إشارة إلى إعادة ضبط العلاقة بين الداخل اللبناني والتوازنات الإقليمية.

دور خارجي

لم يغفل الرئيس اللبناني الإشارة إلى الدور الخارجي في تثبيت وقف إطلاق النار، حيث وجّه شكره إلى القيادة السعودية والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، باعتبارهما شريكين أساسيين في التوصل إلى التهدئة. هذا الموقف يعكس إدراكًا رسميًا بأن أي تسوية داخل لبنان لا تزال مرتبطة بتفاهمات إقليمية ودولية، خصوصًا في ظل التداخل بين المسار السياسي والأمني في المنطقة.

في المقابل، يمثل هذا الانفتاح على الرياض وواشنطن محاولة لإعادة تموضع لبنان ضمن محيطه العربي والدولي، بعد سنوات من الانكفاء والصراع.

هدنة مشروطة

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لمدة عشرة أيام، ضمن اتفاق يحمل طابعًا انتقاليًا أكثر منه نهائيًا، إذ ينص على إمكانية التمديد في حال تحقيق تقدم سياسي وأمني. كما يمنح الاتفاق إسرائيل حق الرد الدفاعي، مقابل التزامها بوقف العمليات الهجومية، في معادلة تعكس هشاشة التوازن القائم.

الأهم في بنود الاتفاق هو تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي هجمات من أراضيها، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، ما يضع بيروت أمام تحدٍ داخلي مباشر يتعلق بإعادة هيكلة منظومة القوة على أراضيها.

عودة ميدانية

على الأرض، شهدت الطرق المؤدية إلى الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت حركة عودة كثيفة للنازحين، في مشهد يعكس رغبة اجتماعية عميقة في استعادة الحياة الطبيعية، رغم حجم الدمار والخسائر البشرية التي تجاوزت ألفي قتيل وآلاف الجرحى خلال الأسابيع الماضية.

هذه العودة، رغم رمزيتها، تعكس أيضًا حجم التحدي أمام الدولة في إعادة الإعمار وتثبيت الاستقرار، في ظل هشاشة الهدنة واحتمالات انهيارها في أي لحظة.

رسائل متبادلة

في المقابل، واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إطلاق رسائل سياسية وأمنية حادة، مؤكداً استمرار هدف تفكيك حزب الله، رغم الحديث عن «فرصة لحل سياسي وعسكري». هذا التناقض يعكس فجوة واضحة بين خطاب التهدئة وخطاب الردع، ما يجعل الاستقرار الحالي أقرب إلى هدنة اختبارية منه إلى تسوية نهائية.

أما واشنطن، فتسعى إلى إدارة التوازن بين منع التصعيد ودفع الأطراف نحو ترتيبات أمنية طويلة الأمد، دون الدخول في التزام سياسي نهائي.

مفترق المرحلة

يبدو لبنان اليوم أمام مرحلة انتقالية دقيقة، عنوانها استعادة القرار السياسي من جهة، وبقاء القيود الإقليمية من جهة أخرى. فبين خطاب السيادة الذي يطرحه الرئيس عون، والواقع الميداني والأمني المعقد، تتشكل معادلة جديدة لا تزال غير مكتملة.

الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت الهدنة الحالية ستتحول إلى مسار سياسي دائم، أم أنها ستبقى مجرد استراحة مؤقتة في صراع مفتوح على مستقبل لبنان ودوره في الإقليم.

50 عامًا عاشتها لبنان تحت الارتهان السياسي

10 أيام مدة وقف إطلاق النار المؤقت

2196 قتيلًا حصيلة الضحايا منذ مارس

7185 جريحًا إجمالي الإصابات المسجلة

حصر السلاح بيد الجيش اللبناني شرط أساسي في الاتفاق

ضمان أمريكي لمنع استئناف القصف الإسرائيلي

دعم سعودي للمسار السياسي ووقف إطلاق النار

عودة آلاف النازحين إلى الجنوب والضاحية الجنوبية

تحدٍ مركزي إعادة الإعمار وترسيخ السيادة اللبنانية