حين انتهت سنوات إيلا روسكانن، وهي سيدة فنلندية عاشت في المملكة العربية السعودية لأكثر من عقدين مع زوجها، لم يكن الوداع مجرد مغادرة جغرافية، بل انفصالًا عن تجربة إنسانية عميقة. في لحظة وداع شخصية، انفجرت بالبكاء لأنها لا تريد الرحيل. لم تكن تغادر بلدًا غريبًا، بل مجتمعًا عاشت داخله تفاصيل الحياة اليومية حتى أصبحت جزءًا منه. السنوات مرت بعد مغادرتها المملكة، لكن شيئًا من ذلك الحنين لم يغادرها ولم يغادر زوجها أيضًا. قبل نشر هذا المقال أطلعتهما على ما أكتبه، وكانت المفاجأة أن المشاعر نفسها ما زالت حاضرة كما كانت يوم الرحيل. أتذكر أنني سألت إيلا بعد سنوات طويلة: ما الشيء الذي ما زلت تفتقدينه؟ لم تتحدث عن وظيفة أو راتب أو امتيازات معيشية أو مناخ مختلف، بل أجابت ببساطة شديدة: «افتقد السعودية». ولم تكن هذه مشاعرها وحدها، بل مشاعر زوجها أيضًا، فكلاهما ما زال يحمل قدرًا من الحنين إلى تلك السنوات التي عاشاها في المملكة وإلى المجتمع الذي أصبح جزءًا من ذاكرتهما وحياتهما.
هذه الإجابة البسيطة تثير سؤالًا أكبر من التجربة الشخصية نفسها. ما الذي يجعل سيدة أوروبية قادمة من مجتمع مختلف ثقافيًا واجتماعيًا تبكي عند مغادرة المملكة، ثم تستمر في الحنين إليها بعد سنوات طويلة؟ هل هو المكان؟ أم الناس؟ أم العلاقات الإنسانية؟ أم الإحساس بالأمان الاجتماعي؟ أم دفء الحياة اليومية؟ أم تلك الروابط التي تتشكل ببطء بين الإنسان والمجتمع حتى تصبح جزءًا من هويته الشخصية؟ هذا السؤال يقود إلى قضية أوسع: كيف يمكن لمجتمع يُختزل في الإعلام الغربي إلى صورة جامدة أن يتحول، في التجربة المعاشة، إلى مكان يصعب تركه؟
علاقات مجتمعية مفقودة في الإعلام الغربي
قد لا توجد إجابة واحدة على هذا السؤال، لأن التجارب الإنسانية أعقد من أن تختزل في سبب واحد. لكن كثيرًا من الذين عاشوا في المملكة لفترات طويلة يشيرون إلى عناصر متشابهة تتكرر في شهاداتهم. هناك طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تقوم على القرب الإنساني والاهتمام الشخصي أكثر مما اعتادوه في بعض المجتمعات الغربية. هناك الإحساس بالانتماء إلى مجتمع ما تزال الأسرة والعلاقات الإنسانية تحتل فيه مكانة مركزية. هناك الكرم الاجتماعي، وسهولة بناء العلاقات، والشعور بالأمان في الحياة اليومية. هناك أيضًا ذلك الإيقاع الخاص للحياة الذي يجمع بين الحداثة والمحافظة، وبين التغيير والاستقرار. هذه العناصر قد لا تظهر بسهولة في التقارير الإعلامية أو الدراسات السياسية، لكنها تظهر بوضوح في ذاكرة من عاشوا التجربة لسنوات طويلة، ولذلك فإن ما يفتقده كثير منهم بعد المغادرة ليس مبنى أو وظيفة أو مدينة بعينها، بل نمط حياة كامل ارتبط لديهم بمشاعر الانتماء والطمأنينة والذكريات الإنسانية.
ربما تكمن المفارقة في أن كثيرًا مما يترك الأثر الأعمق في ذاكرة من عاشوا في السعودية ليس هو ما يتصدر العناوين أو يشغل النقاشات السياسية والإعلامية. فالناس يتذكرون العلاقات الإنسانية، والدفء الاجتماعي، والشعور بالانتماء، وتفاصيل الحياة اليومية، بينما تُنقل صورة المملكة في الخارج غالبًا عبر قضايا أخرى مختلفة تمامًا.
زاوية ضيقة
الصورة التي يقدمها الإعلام الغربي عن المملكة العربية السعودية تُبنى في كثير من الأحيان عبر عدسة اختزالية. تعرض المملكة من خلال قضايا محددة تُختزل فيها بنية مجتمع كامل: الدين، النفط، القيود الاجتماعية، أو التحولات السياسية. هذا النوع من التمثيل لا يقوم على تراكم معرفي طويل، بل على سرديات جاهزة تُعاد صياغتها وتكرارها، حيث يتحول الحدث العابر إلى تفسير عام، ويُقدَّم الاستثناء بوصفه قاعدة. المجتمع يظهر ككتلة ثابتة تُقرأ من الخارج، دون الدخول إلى تعقيداته الداخلية أو إيقاعه اليومي.
فرق بين صورتين
تكشف التجربة المعاشة مسارًا مختلفًا تمامًا. روسكانن لم تتعامل مع السعودية بوصفها موضوعًا للملاحظة، بل فضاءً للحياة. ما بدأ كاختلاف ثقافي واضح تحوّل تدريجيًا إلى عملية فهم. الرموز التي بدت في البداية علامات فاصلة لم تبقَ مظاهر خارجية، بل أصبحت عناصر داخل نظام اجتماعي يمكن قراءته من الداخل. الفضاءات الاجتماعية، خاصة النسائية، التي تظهر في الخارج مغلقة أو محدودة، انكشفت كعوالم مليئة بالحياة والتفاعل، حيث تتشكل العلاقات، وتُبنى الهويات، وتُدار مساحات من الاستقلال داخل البنية العامة للمجتمع.
الفرق بين الصورتين لا يتعلق فقط بكمية المعلومات، بل بطبيعة المعرفة نفسها. الإعلام يعمل بمنطق السرعة والتأثير، فيبحث عن الوضوح والاختزال، ويُبرز ما يمكن تحويله إلى قصة قابلة للنشر والتداول. أما المعرفة التي تنشأ من المعايشة فتحتاج إلى زمن، وإلى بناء علاقات، وإلى دخول تدريجي في طبقات المجتمع التي لا تُرى من الخارج. في هذه العملية، لا يظهر المجتمع ككيان واحد متجانس، بل كشبكة معقدة من العلاقات، والتوازنات، والتحولات التي لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.
التجربة تكشف أيضًا أن المجتمعات لا تُفهم فقط عبر قوانينها أو مظاهرها الخارجية، بل من خلال كيفية عيش هذه القوانين في الواقع اليومي. ما يبدو من الخارج قيدًا صارمًا قد يتحول في الداخل إلى نظام يمكن التفاعل معه بمرونة، حيث يعيد الأفراد تشكيل حدودهم داخل البنية الاجتماعية. الفاعلية لا تختفي، بل تتحرك بأشكال مختلفة، وغالبًا ما تكون غير مرئية للقراءة السطحية.
العيش في المملكة ليس كالقراءة عنها
السعودية التي لا يراها الإعلام ليست صورة بديلة مثالية تُستبدل بصورة أخرى، بل واقعا أكثر تركيبًا يتجاوز منطق الاختزال الذي يحكم كثيرًا من التمثيلات الخارجية. مجتمع يتحرك في مستويات متعددة في الوقت نفسه، حيث تتجاور عناصر الاستمرار مع مسارات التغير دون أن يلغي أحدهما الآخر. البنية الاجتماعية لا تختفي مع التحولات، بل تعيد إنتاج نفسها بصيغ جديدة، والفرد لا يعمل خارج هذه البنية بل يتحرك داخلها عبر مساحات من الاختيار والتفاوض. ما يظهر من الخارج بوصفه ثباتًا قد يكون في الداخل عملية بطيئة من التحول، وما يُقرأ كتغير سريع قد يكون امتدادًا لتراكمات أعمق. هذا التداخل يجعل فهم المجتمع مستحيلًا عبر نموذج واحد أو زاوية نظر واحدة.
المسألة لا تتعلق بالدفاع عن صورة مقابل أخرى، ولا باستبدال سردية إعلامية بسردية مضادة، بل بإعادة النظر في الطريقة التي تُنتج بها المعرفة نفسها. المعرفة التي تعتمد على المشاهدة السريعة تبحث عن الوضوح المباشر، فتلتقط ما هو ظاهر وقابل للتعميم، وتحوّله إلى تمثيل شامل. أما المعرفة التي تنشأ من المعايشة الطويلة فتتحرك في اتجاه مختلف، حيث يصبح الفهم نتيجة تفاعل مستمر مع التفاصيل، ومع العلاقات، ومع التحولات التي لا تُرى في لحظة واحدة. الزمن هنا ليس عنصرًا ثانويًا، بل شرطا أساسي لإدراك ما لا يظهر في القراءة السطحية.
بين الصورة والفهم تتحدد زاوية النظر إلى المجتمع. الصورة تُنتج انطباعًا، والفهم يبني تفسيرًا. الأولى تبحث عن الاختزال، والثاني يكشف التعقيد. الأولى تضع المجتمع داخل إطار جاهز، والثاني يعيد قراءة هذا الإطار من الداخل. هذه المسافة بينهما ليست مجرد فرق في الدقة، بل فرق في طبيعة المعرفة نفسها، لأن المجتمع لا يُفهم عبر ما يُرى فقط، بل عبر ما يُعاش ويُختبر عبر الزمن.
لو كانت الصورة الإعلامية تكفي لفهم المجتمعات لما احتجنا إلى الرحلات، ولا إلى الدراسات الميدانية، ولا إلى سنوات الإقامة الطويلة. ولو كانت العناوين الصحفية قادرة وحدها على تفسير السعودية، لما خرج هذا العدد الكبير من الغربيين الذين عاشوا فيها بشهادات تختلف جذريًا عن كثير مما كانوا يعتقدونه قبل وصولهم إليها. وربما لهذا السبب كانت دموع إيلا روسكانن عند المغادرة أكثر دلالة من عشرات التقارير والتحليلات؛ لأنها لم تكن تعبر عن موقف سياسي أو رأي فكري، بل عن حقيقة إنسانية بسيطة: أن السعودية التي عاشتها كانت أكبر بكثير من السعودية التي قرأت عنها قبل أن تصل إليها.
ماذا فات الإعلام الغربي
السعودية التي تغيب عن كثير من التمثيلات الإعلامية ليست واقعًا سريًا أو مجتمعًا مخفيًا خلف الأبواب المغلقة، بل واقع لا يُقرأ دائمًا بالأدوات المناسبة. إنها موجودة في تفاصيل الحياة اليومية التي لا تتحول عادة إلى أخبار عاجلة، وفي العلاقات الإنسانية التي لا تجد طريقها إلى العناوين الكبرى، وفي التجارب الصغيرة التي تبدو عادية لأصحابها لكنها تشكل في مجموعها صورة المجتمع الحقيقية. هناك، في المجالس العائلية، وفي صداقات الجيران، وفي لحظات الكرم العفوية، وفي الروابط التي تتشكل ببطء بين الناس، تظهر السعودية التي يصعب اختزالها في تقرير أو صورة أو عنوان صحفي. هذه الجوانب لا تثير الجدل ولا تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، لكنها تبني الفهم الأعمق والأكثر دقة للمجتمع. ولهذا فإن المشكلة لا تكمن دائمًا في غياب المعلومات، بل في نوع المعلومات التي يجري التركيز عليها، لأن ما يصنع معرفة المجتمعات ليس فقط الأحداث الكبرى، بل أيضًا تفاصيل الحياة التي يعيشها الناس كل يوم دون أن يلتفت إليها أحد.
السعودية التي لا يراها الإعلام ليست مخفية، بل غير مقروءة بالمنهج الصحيح. إنها موجودة في تفاصيل الحياة اليومية، في العلاقات الإنسانية، في التجارب التي لا تتحول إلى عناوين، لكنها تبني الفهم الحقيقي.