من إعلان وزير استقالته، إلى وزيرة تنتقد قرارا حكوميا، إلى احتجاجات تحميها قوى الأمن وتُنقل عبر الإعلام الرسمي، تبرز ملامح سوريا مختلفة اليوم.

للمرة الأولى منذ ما يقارب سبعة عقود، تبدو البلاد وكأنها تعيد اكتشاف السياسة بوصفها ممارسة يومية، لا مجرد خطاب رسمي أو أداة بيد السلطة.

فمنذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية معقدة، لكنها فتحت في الوقت ذاته الباب أمام تحولات غير مسبوقة في سلوك الدولة والمجتمع معا.


هذه اللحظة بكل ما تحمله من تحديات، تستدعي المقارنة مع حقبة امتدت من عشرينيات إلى خمسينيات القرن الماضي، حين كانت السياسة حاضرة في تفاصيل الحياة السورية، تُناقش في الشارع كما في المؤسسات.

اليوم، لا تتجلى هذه العودة في القرارات الكبرى فقط، بل في مشاهد يومية صغيرة، مشحونة بدلالات عميقة، فالتغير لا يطال شكل السلطة فحسب، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع، وإلى ما يُسمح بحدوثه ورؤيته والتعبير عنه.

على مستوى الدولة، بدأت ملامح إعادة التشكل المؤسسي بالظهور، لم يعد التغيير مقتصرا على استبدال أشخاص بآخرين، بل شمل إعادة تعريف لوظيفة المؤسسات نفسها، من خلال إنشاء أطر جديدة للتنسيق ومنح بعض الهيئات استقلاليات غير مسبوقة.

ورغم أن هذه التحولات لا تزال في طور التشكل، فإنها تعكس محاولة للخروج من نموذج الدولة المغلقة نحو نموذج أكثر مرونة، غير أن أهميتها الحقيقية لا تكمن في بنيتها الشكلية، بل فيما تفتحه من مساحات جديدة للفعل السياسي رغم التحديات الجوهرية التي تحيط بالمرحلة الحالية، وفي مقدمتها محاولات أنصار النظام السابق استغلال مطالب الناس وتوجيهها نحو مسارات تخدم مصالحهم وتعيق مسار التحول السياسي.

هذه المساحات بدأت تظهر بوضوح على مستويات عليا، ففي سابقة لافتة، أعلن وزير الرياضة محمد الحامض مؤخرا استقالته لأسباب صحية عبر صفحته على منصة فيسبوك، وهي خطوة تبدو اعتيادية في سياقات أخرى، لكنها في الحالة السورية تحمل دلالة مختلفة، إذ إن المنصب العام الذي كان يُدار بمنطق الإقالة أو البقاء في المنصب حتى الموت بدأ يكتسب معنى جديدا، حيث يصبح من الممكن للمسؤول أن ينسحب بإرادته وأن يعلن ذلك للرأي العام، وبالتالي هذه ليست مجرد استقالة، بل إشارة إلى تحول في مفهوم المسؤولية العامة.

الدلالة ذاتها تتكرر داخل الحكومة، حين وجهت وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات انتقادا علنيا لقرار حكومي يتعلق بتنظيم أماكن بيع الخمور.

أهمية هذا الموقف لا تكمن في مضمونه بقدر ما تكمن في خروجه إلى العلن، فالتباين داخل السلطة الذي كان يدار تقليديا في الغرف المغلقة، بدأ يجد طريقه إلى المجال العام، ما يعكس تغيرا تدريجيا في طبيعة الحياة السياسية.

لكن التحول الأعمق لا يحدث داخل المؤسسات فقط، بل في المجتمع نفسه، حيث تعود السياسة إلى الشارع تدريجيا، فتنظيم اعتصام أول من أمس (الجمعة) في دمشق للمطالبة بتحسين الوضع المعيشي، وقبلها بأيام احتجاجات أصحاب سيارات الأجرة وغيرها الكثير من المظاهرات والاحتجاجات التي يحمل بعضها طابع المطالب الحياتية أو حتى الاحتجاجات ذات البعد الطائفي؛ ووجود قوات الأمن لحمايتها ومنع الاحتكاك، يحمل دلالات تتجاوز الحدث المباشر، والأهم من ذلك هو تغطية وسائل الإعلام الرسمية لهذه الاحتجاجات، في سابقة تعكس تحولا في وظيفة الإعلام الرسمي، من أداة إنكار أو تجاهل إلى مساحة تستوعب أبناء الوطن على اختلاف آرائهم وتوجهاتهم.

ويتعزز هذا التحول أيضا في الخطاب الرسمي ذاته، ففي أعقاب حادثة الاعتداء على مقر السفارة الإماراتية، أكدت وزارة الداخلية في بيان أن «التظاهر السلمي حق مشروع يكفله القانون، بوصفه أحد أشكال التعبير عن الرأي، شرط التزامه بالأطر القانونية وعدم خروجه عن طابعه السلمي»، وهذا التصريح، بغض النظر عن سياقه المباشر، يحمل دلالة تتجاوز الحدث؛ إذ يعكس تحولا في نظرة الدولة إلى الاحتجاج، من كونه تهديدا أمنيا إلى كونه حقا يمكن تنظيمه والاعتراف به. حيث ارتبطت المظاهرات لعقود بالقمع والتنكيل، فإن مجرد صدور مثل هذا الخطاب الرسمي يشير إلى تغير في تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

المطالب المعيشية، التي كانت تُهمش أو تُفصل عن السياسة، أصبحت اليوم جزءا من النقاش العام، ما يمنح فئات اجتماعية مختلفة حضورا في صياغته. فالمفارقة أن سوريا التي تعيش اليوم هذه «السوابق الصغيرة» هي نفسها التي عرفت في الفترة الممتدة بين عشرينيات وخمسينيات القرن الماضي حياة سياسية نشطة، كانت فيها الاستقالة والاختلاف والاحتجاج جزءا طبيعيا من المشهد العام، وحينها لم يكن خروج مسؤول من منصبه حدثا استثنائيا، ولا كان النقد العلني داخل السلطة أمرا صادما، بل انعكاس لحيوية سياسية حقيقية.

ما نشهده اليوم ليس مجرد تحولات معزولة، بل مؤشرات على عودة تدريجية لتلك الروح السياسية التي غابت لعقود، غير أن هذه العودة لا تأتي بوصفها استعادة بسيطة للماضي، بل كإعادة تشكل في سياق مختلف يتمثل في دولة منهكة خارجة للتو من حرب ومجتمع متعب وبيئة إقليمية معقدة.