(فقد رُميت بداء لست غاسله... ما جاوز النيل يوما أهل إبليلا
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا).
الأبيات لا تصف، بل تكشف حقيقة أعمق: أن ما يقال عنك، سواء كان صحيحا أم لا، قد يصبح واقعا في وعي الجماهير. وهو أمر في غاية الخطورة، تشكيل وعي الجماهير حول أمر معين، وبغض النظر عن مدى دقته وصحته، فعند انطلاق السهم تكمن القضية، وهذا يقودنا إلى أن اغتيال السمعة لم يعد فعلا هامشيا أو انحرافا أخلاقيا في الخطاب العام، بل أداة إستراتيجية تستخدم بوعي داخل الصراعات السياسية والإعلامية والاقتصادية منذ القدم. فالمعركة اليوم لم تعد على الأرض أو داخل المؤسسات، بل في فضاء الإدراك الجمعي وعقول الجماهير، حيث تُبنى الصور، وتُهدم المكانات، ويُعاد تعريف الأفراد والجهات وفق سرديات متصارعة. وهنا يتداخل عنصر جديد ذو تأثير متصاعد: السخرية السياسية، التي لم تعد مجرد ترفيه، بل باتت أداة ضمن منظومة اغتيال السمعة. وهو ما يمارسه دونالد ترمب في خطاباته السياسية بشكل مستمر. ولكن قبل الحديث عن رسائل الرئيس الأمريكي، لا بد أن نعرف أنه تاريخيا لم تكن هذه الظاهرة جديدة. ففي روما الإمبراطورية، أدركت السلطة أن السيطرة على الذاكرة تعني السيطرة على الرأي الجماهيري. انتقلت المعركة من الواقع إلى الإدراك، ومن الحقيقة إلى التأطير. في وقتنا الحاضر والاحداث الأخيرة تحديدا، لدى الرئيس الأمريكي، يتكرر المنطق ذاته ولكن بأدوات أكثر تعقيدا. فاغتيال السمعة لم يعد مجرد نشر شائعة، بل عملية مركبة تشمل إنتاج رواية بديلة، وتكرارها عبر منصات متعددة، وتضخيم عناصر معينة، وربطها بإطار أخلاقي أو أمني يرفع حساسية الجمهور. وهنا يتحول السؤال من هل ما قيل صحيح؟ إلى «كيف يشعر الجمهور تجاه هذا الشخص؟». إنها نقلة جوهرية من إدارة الوقائع إلى إدارة الانطباعات. ضمن هذا التحول، أصبحت السخرية السياسية قوة مؤثرة. لم تعد مقتصرة على المقالات أو الخطابات، بل امتدت إلى مشاهد تلفزيونية جريئة، خاصة في بيئات إعلامية أكثر انفتاحا. ترمب الذي سخر من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لقوله إنه يتعين عليه سؤال فريقه بشأن إرسال حاملتي طائرات قديمتين ومتهالكتين إلى إيران، مستخدما صوتا يبدو مثيرا للشفقة، وسط ضحكات مكتومة من الحضور في غداء عيد الفصح الخاص. أو سخريته من الرئيس الفرنسي، عندما أشار إلى مقطع فيديو يعود إلى مايو 2025. وإذا حاولنا تأطير هذه الظاهرة نظريا، نجد جذورها في «نظرية التفوق» لدى هوبز، حيث ينبع الضحك من الشعور بالتفوق على الآخر. غير أن جذورها الأعمق تعود إلى اليونان وروما، حيث استخدم أريستوفانس الكوميديا كأداة نقد سياسي حاد، جمع بين الفكاهة والتأثير، وناقش قضايا السلطة والحرب والمكانة بلغة ساخرة لكنها نافذة. وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل، فإن الدراسات العلمية حول تأثير الفكاهة السياسية لم تتبلور إلا حديثا. وتشير تقارير مركز «بيو» إلى أن الشباب، أكثر من غيرهم، باتوا يتلقون فهمهم للسياسة من خلال البرامج الساخرة، لما تقدمه من تبسيط وسهولة في التلقي.
بعيدا عن الغوص الأكاديمي، يبرز سؤال محوري: هل السخرية السياسية عامل تأثير أم مجرد انعكاس للرأي العام؟ الواقع أنها تمارس الدورين معا. فهي تبدأ كمؤشر، لكنها تتحول ــ عبر التكرار والانتشار ــ إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل الإدراك. ما يُطرح بسخرية يُنظر إليه على أنه أقل تهديدًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر قابلية للانتشار والتأثير. إنها أشبه بكرة ثلج تبدأ صغيرة، لكنها سرعان ما تتضخم لتصبح أداة ضغط حقيقية، بل وربما إحراجا مباشرا للقيادات السياسية. وهذا ما عاناه ستارمر في التعليق على ما طرحه الرئيس الأمريكي، والذي سوف يؤثر بشكل أو بآخر في شعبيته وحضوره في المستقبل ما لم يُعد إعادة هيكلة الرسائل بطرق أكثر وعيا للجماهير. وتتجلى هذه الديناميكية مدخلا لإعادة تعريف الشخصية. فالسخرية لا تناقش البرنامج السياسي بقدر ما تعيد صياغة الشخصية، وتختزلها في صورة قابلة للتداول، وهو ما يؤدي إلى تآكل الهيبة الرمزية، حتى وإن لم يسقط الموقع الرسمي. في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الجمهور، الذي لم يعد متلقيا فقط، بل أصبح مشاركا في إنتاج المعنى ونشره. لقد تحولت المنصات الرقمية إلى ما يشبه «محكمة رأي عام» تصدر أحكامها بسرعة، وغالبا دون تحقق كاف. فالحكم هنا لا يعتمد على الأدلة بقدر ما يعتمد على قوة السردية وانتشارها، وهو ما يعيدنا إلى منطق روما القديمة: السيطرة على الذاكرة تعني السيطرة على الشرعية. من هنا، نجد أن اغتيال السمعة لم يعد مجرد أداة في الصراع، بل أصبح جزءا من بنية الصراع ذاته. وهو ما يستدعي من مراكز الدراسات وصناع القرار فهم هذه الظاهرة بعمق، والتفاعل معها بذكاء. فبدلا من تجاهل السخرية السياسية أو مواجهتها بشكل مباشر، يمكن دراستها وتحليل أثرها، والتعاون مع منتجيها لفهم ديناميكياتها وتأثيرها في الجمهور. فلا يكفي دائما أن تكون على حق، بل يجب أن تكون حاضرا في الوعي، لأن من يُهزم في الإدراك قد لا يحتاج إلى أن يُهزم في الواقع.