وقف إطلاق النار اختبار للدولة اللبنانية، يليه الذهاب إلى مفاوضات و«اتفاقات»، فـ«ما يجبرك على المر هو الأمر منه». لكنه أيضا اختبار لـ«حزب إيران» الذي لم يتأخر في إعلان «النصر»، مدعيا أن إيران هي التي أجبرت إسرائيل على الإذعان للهدنة. لم يهتم بمن فقدوا أحباءهم وبيوتهم ويمضون نزوحهم تحت الخيام أو في مراكز إيواء. ومع الاحتفالات بهذا «النصر» الوهمي، ازدادت لغة قادة «الحزب» فجورا وتهديدا لرئيسي الجمهورية والحكومة لأنهما اختارا التفاوض «إنقاذا للبنان». يعلم «الحزب»، و«الحرس» الذي يديره، أن التوصل إلى وقف النار كان صعبا، وأن مسار التفاوض سيكون أصعب، لكنهما مصممان على تخريبه. لماذا؟ لأن الدولة اللبنانية، وليست إيران، هي التي تفاوض عن لبنان.
كان الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني هدفا معلنا للجانبين الأمريكي والإسرائيلي، وبدا للبنان أنها فرصة تاريخية. لذلك قال الرئيس جوزف عون: «استعدنا لبنان للمرة الأولى منذ نصف قرن، ولم نعد ورقةً في جيب أحد، ولا ساحةَ أحد»... هذا صحيح نظريا ويتطلب إثباته واقعيا. في العام 1976 أدخل النظام السوري السابق قواته إلى لبنان، بدعوة رسمية ولهدف محدد هو إنهاء الحرب الأهلية، وما لبث أن اكتسب لوجوده شرعية عربية ودولية من دون أن ينهي تلك الحرب، ومكث ثلاثين عاما يتحكم مباشرة بشؤون البلد. وبعدما اضطر للانسحاب عام 2005، إثر تدبيره اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، كافأ إيران و«حزبها» الذي نفذ ذلك الاغتيال بتسليمهما مقاليد «الوصاية» على لبنان فسارعا إلى تكريسها بحرب 2006 ضد إسرائيل. واليوم، في 2026، وبعد حروب متنقلة من سوريا إلى غزة إلى جنوب لبنان، بدأ عمليا خروج إيران من لبنان، ولا تزال أمام «حزبها» مراحل كي يعود إلى لبنانيته.
دافع الجانب الحكومي اللبناني عن خيار التفاوض مشددا على أنه «ليس ضعفا ولا تراجعا ولا استسلاما ولا تنازلا ولا تفريطا بأي حق». وليس واضحا ما إذا كانت هذه اللاءات تستقيم في ميزان دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو لتكون، كما يراد لها لبنانيا «إحقاقا للعدالة». نال رئيس الوزراء الإسرائيلي ما أراده باعتراف «مذكرة التفاهم» مع لبنان بأن وقف الأعمال العدائية «لا يقيد حق إسرائيل في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس، في أي وقت، ضد الهجمات المخطط لها أو الوشيكة أو الجارية»، لكنه يقيد «أي عمليات إسرائيلية ضد أهداف حكومية (لبنانية)». ولأن المشكلة كانت ولا تزال، منذ انتهاء حرب 2024، في توظيف إسرائيل لذلك «الحق» المعترف لها به أمريكيا، فإن ترمب وجد من الضرورة التنبيه بأن واشنطن تعمل الآن «بشكل منفصل» مع لبنان، وأنها «تحظر على إسرائيل قصف لبنان».
إذا صدق هذا «الحظر» وثبتت جديته، فإنه قد يعني أن واشنطن أدركت أخيرا، ومتأخرةً، أن نجاح أي تفاوض لبناني- إسرائيلي لن يتحقق بمبدأ «فرض السلام بالقوة»، بل يجب أن يمر عبر احترام الدولة اللبنانية، وليس بالتضييق عليها وإحراجها أمام إيران و«حزبها». فالطريقة التي نفذ بها الإسرائيليون «حق الدفاع عن النفس»، والدعم الأمريكي غير المشروط لها، وعرقلة دعم الجيش اللبناني، أدت إلى تهميش الدولة وإضعافها فيما كان «الحرس» الإيراني يرمم قوة «حزبه»، ما أفضى إلى «حرب إسناد إيران» وإتاحة الفرصة لإسرائيل كي تنشئ ما تسميها «منطقة أمنية عازلة» لن تتخلى عنها، وإذا ارتضت بتقليصها نتيجة التفاوض فإنها ستفعل لقاء شروط صعبة وتعجيزية.
على مدى عقود حرصت الولايات المتحدة وإسرائيل على أن يكون تسليح الجيش اللبناني في حد أدنى، لئلا يشكل خطرا على إسرائيل. لكنهما تركتا إيران تنشئ في لبنان ميليشيا تحولت لاحقا «جيشا (أقوى) موازيا»، وصارت إسرائيل تعتبرها تهديدا لأمنها وتتخذها ذريعة لحروبها. الهدف من فصل لبنان عن إيران واضح، وعلى واشنطن توضيح المراد من التفاوض اللبناني- الإسرائيلي: إذا كان «السلام» فإن للسلام متطلبات معروفة، والتفاوض -بحسن نية- يقضي بألا تستولي إسرائيل بالقوة على أي أراض لبنانية، فإذا انسحبت تنتفي علة وجود «حزب إيران» في لبنان، وإذا عاندت تثبت أنها لا تستطيع العيش إلا في حروب دائمة.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»