تحول سياسي
يحمل لقاء دمشق بين الشرع وجنبلاط دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي، إذ يعكس توجهاً لإعادة صياغة العلاقات اللبنانية – السورية على أسس مختلفة عن المرحلة السابقة. البيان الصادر عن الحزب التقدمي الاشتراكي أشار بوضوح إلى السعي لتحسين العلاقات الثنائية بما يخدم المصالح المشتركة، مع التركيز على إسقاط ما يُعرف بـ«حلف الأقليات»، وهو توصيف يحمل بُعداً سياسياً عميقاً يتعلق بإعادة بناء التوازنات في المنطقة.
كما أن التطرق إلى الروابط الاجتماعية والجغرافية يعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن الاستقرار في أحد البلدين بات مشروطاً بالاستقرار في الآخر، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتداخلة. ويكتسب اللقاء أهمية إضافية بالنظر إلى توقيته، حيث يأتي وسط تصعيدات إقليمية وضغوط داخلية تواجهها كل من بيروت ودمشق.
رسائل داخلية
في المقابل، حملت الإشارات المتعلقة بأحداث السويداء بُعداً داخلياً واضحاً، إذ سعت دمشق إلى طمأنة المكونات السورية المختلفة، وتأكيد وحدة البلاد. هذه الرسائل تعكس محاولة لاحتواء تداعيات التوترات المحلية، ومنع تحولها إلى بؤر تهديد أوسع، خصوصاً في المناطق ذات الخصوصيات الاجتماعية والسياسية.
ويبدو أن السلطة الجديدة تدرك أن أي انفتاح خارجي لن يكون مستداماً دون معالجة الملفات الداخلية الحساسة، وعلى رأسها قضايا الانقسام المجتمعي والانتهاكات السابقة.
عدالة انتقالية
بالتوازي مع الحراك السياسي، انطلقت أولى جلسات المحاكمات العلنية لرموز النظام السابق، في خطوة تُعد حجر الأساس لمسار العدالة الانتقالية في سوريا. وشملت الجلسة محاكمة حضورية للمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، إلى جانب محاكمة غيابية لكل من بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد.
هذه المحاكمات لا تقتصر على بُعدها القضائي، بل تحمل أبعاداً سياسية ورمزية، إذ تمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وإرساء مبدأ المساءلة بعد سنوات طويلة من الإفلات من العقاب.
أبعاد قانونية
وفقاً للقانون السوري، تتيح المحاكمات الغيابية ملاحقة المتهمين الفارين وإصدار أحكام بحقهم، ما يمنح السلطة القضائية أداة قانونية لمتابعة ملفات معقدة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار الأحكام بقدر ما يتمثل في مدى قدرتها على تحقيق العدالة الفعلية، خصوصاً في ظل وجود عشرات آلاف الضحايا والمفقودين.
كما أن إدراج شخصيات بارزة من النظام السابق ضمن لوائح الاتهام يعكس توجهاً نحو توسيع نطاق المساءلة، وهو ما قد يسهم في تعزيز ثقة الشارع، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام تحديات سياسية وأمنية.
توازن معقد
المشهد العام في دمشق يكشف معادلة دقيقة تحاول السلطة الجديدة إدارتها: الانفتاح السياسي خارجياً مقابل محاسبة الماضي داخلياً. هذه المعادلة تتطلب توازناً حساساً، إذ إن أي اختلال فيها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء على مستوى الاستقرار الداخلي أو العلاقات الإقليمية.
فالانفتاح على لبنان، وإرسال رسائل طمأنة للمكونات السورية، يتزامنان مع خطوات قضائية قد تعيد فتح جراح الماضي، ما يجعل المرحلة الحالية واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ سوريا الحديث.
دمشق بين الانفتاح السياسي ومحاكمات الماضي:
لقاء الشرع وجنبلاط يركز على إعادة العلاقات
إسقاط «حلف الأقليات» رسالة سياسية جديدة
بدء محاكمة بشار الأسد غيابيا في دمشق
عاطف نجيب أول المتهمين حضوريا
جلسة ثانية مقررة في 10 مايو
المحاكمات تشمل رموزا أمنية وعسكرية بارزة
العدالة الانتقالية تدخل حيز التنفيذ
ملف المفقودين والانتهاكات في صلب المشهد