ليست كل المدن تُزار، بعضها يُستعاد، وبعضها يسكنك فلا تغادره، وإن غادرته. وأبها كانت لي عمران في عمر، طفولةٌ تكتبني وشبابٌ أكتبه. غادرتها، نعم. لكنني لم أغادرها في الحقيقة، فهي التي بقيت في صدري. تتنفّس كلما مرّ طيفها، وتنبض كلما ذُكر اسمها. تنقلت بعدها بين مكة وجدة والرياض، ومضت الأيام كما تمضي. لكن شيئًا في داخلي كان دائم التطلّع جنوبًا.. نحو الضباب الذي يعانق الجبال، ونحو الوجوه التي لا تُنسى.. ونحو زمنٍ لم يكن يملك الكثير، لكنه كان يملك كل شيء.

وحين صدر الأمر الملكي الكريم بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أميرًا لمنطقة عسير، كنت حينها في الرياض، فلم أتردد أن أبارك لسموه هذه الثقة الغالية، وطلبت منه – حفظه الله - هاتفياً أن أتشرف بزيارته، وإجراء أول لقاء صحفي معه لصحيفة «عكاظ»، وكانت لحظة لا تُنسى، كأنها إعلان عودة، ليس فقط لأبها المكان، بل لأبها الذاكرة.

عشت أبها زمنين.. طفولة بريئة في «البديع»، حيث كنا نبدع ببساطتنا، ونحلم بلا حدود.. هناك في بيت بن مسعود لا كهرباء ولا شموع، كنت أقرأ على ضوء لمبة «القاز»، حين لم تكن الكهرباء قد عرفت طريقها إلينا، وكان «الأتريك» لا يُضاء إلا إذا كانت هناك عزيمة عند الوالد – رحمه الله – فيقول الجيران ضاحكين سعداء: «مانتعشى الليلة عند ابن الشيخ عزيمة!».


ذاك الزمن، لم يكن فقيرًا كما قد يُظن، بل كان غنيًا بالناس، بالقلوب، بالتفاصيل التي تصنع إنسانًا مختلفًا. وفي تلك البيئة، كانت أمي حليمة – رحمها الله - مدرسةً للحياة.. حنانًا لا يُشترى، وصبرًا لا يُوصف. تعلمت منها أكثر مما تعلمت من الكتب، وكان زوجها عبدالوهاب بن خضرة – رحمه الله – أخاً وصديقًا قريباً جداً من الوالد، وقريبًا من القلب كما لو كان من أهله.

وفي الفجر كان لنا موعد آخر مع النور، نقرأ على الشيخ عبدالله بن يوسف الوابل في مسجد «مناظر»، ولا أنسى في تلك الفترة

الشيخ الوقور عبدالله العوّاد – رحمه الله – رئيس هيئة الأمر بالمعروف، الذي كان مثالًا يُحتذى في الحِلم والكرم.. مجلسه عامر.. وقلبه أوسع من كل خلاف.. كان إذا أُتي إليه بمذنب قال: «اتركوه لي».. فيُصلح، وينصح، ويحتوي.. حتى صار ملاذًا لكل من ضاقت به الطرق.

ثم انتقلنا إلى «الخشع الأعلى».. بيت العمر الذي بناه الوالد – رحمه الله – وهناك كان الجوار والجار مدرسة أخرى.. مع الشيخ إبراهيم الراشد الحديثي – رحمه الله – رئيس محاكم عسير، الذي لم يكتفِ بمنصبه، بل كان يسير على الدواب إلى القرى والهجر.. ليصلح بين الناس.. ويجمع ما تفرّق.

وكانت شهادات الأمير خالد الفيصل في الشيخين الحديثي والعواد خير دليلٍ على عظمة أولئك الرجال.. الذين سهّلوا، وأعانوه في مهمته، وكانوا شركاء في بناء إنسان عسير قبل عمرانها. ويمتد الذكر لمن عايشتهم إلى الشيخ محمد الصالح الفواز، مدير المعهد العلمي، وبعده مديرا عاما للتعليم، والأديب والمعلم والعلم محمد بن عبدالله الحميد.. وإلى وجوهٍ كثيرة قد لا تسعها الكلمات لكنها تسكن الذاكرة.

وإن نسيت أسماءً.. فلم أنسَ مكانتهم.. وإن غابت التفاصيل..فأثرهم باقٍ لا يغيب.

يا أبها.. يا قصيدةً لم يكتمل وزنها إلا بكِ.. ويا غيمةً كلما ابتعدتُ عنها، عادت تمطر في داخلي.. أحببتكِ لا لأنكِ مدينة.. بل لأنكِ زمنٌ لا يُعاد.. وذاكرةٌ كلما حاولتُ نسيانها ازدادت حضورًا. فيكِ تركتُ طفولتي تلعب بين «سدودها».. وشبابي يتعلّم كيف يكتب الحياة،

وعليكِ كتبتُ أول الحرف.. ومن ترابكِ تعلّمتُ أن للكلمة جذورًا لا تُرى.. لكنها لا تموت.

يا أبها إن غبتُ عنكِ جسدًا.. فقلبي ما غاب.. وإن طال البعد... فالشوق فيكِ لا يعرف المسافات. أنتِ التي إن ذكرتُكِ ابتسمت الأيام.. وإن مرّ طيفكِ سكتت ضوضاء العمر.

يا أبها.. يا سِحرَ روحٍ لا يُغادِرُني ولا يزولُ.. وإن طالَ بيَ الدربُ، أمشي وتَسكنُني الذكرى، فأحمِلُها كأنني الوطنُ المشتاقُ.. والمُغتربُ، إن قلتُ: غبتُ فقلبي فيكِ مُرتحِلٌ وإن حضرتُ.. فأنتِ العشقُ والنَّسَبُ.

وهكذا تبقين.. لا مدينةً تُزار، بل حياةً تُستعاد، ولأبها في القلب بقيّة لا تنفد.