كانت السعودية قبل الرؤية تمتلك الثقل والمكانة والموارد، فجاءت الرؤية لتمنح هذه العناصر اتجاهًا جديدًا، وإيقاعًا أسرع، ولغة مختلفة في التعامل مع الممكن، لم يعد الحديث عن التنمية وعدًا مؤجلًا صار ورشة يومية مفتوحة نراها في المدن التي تتغير والقطاعات التي تولد والفرص النامية يومًا بعد يوم، وفي دخول أبناء وبنات الوطن ميادين العمل والإبداع بثقة أعلى، وفي المؤسسات التي أعادت بناء علاقتها مع المستفيد وفقًا لمنطق الكفاءة والنتيجة.
ولعل سر الرؤية يكمن في أنها لم تتعامل مع المستقبل كترف فكري بقدر ما تعاملت معه كواجب وطني، وفي إدراكها بأن المستقبل في عالم اليوم لا ينتظر المترددين، وأن الدول التي تتأخر في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والسياحة والصناعات المتقدمة تجد نفسها على هامش السباق، لذلك اختارت السعودية أن تدخل السباق مبكرًا، وأن تدخل إليه من بوابة الطموح الكبير.
كانت الرؤية أيضًا موعدًا بين القيادة والمجتمع، إذ إن التحولات الكبرى لا تنجح بالقرارات وحدها فهي بحاجة إلى إيمان الناس بها، وإلى أن يرى المواطن نفسه جزءًا من الحكاية لا متفرجًا على مسرحها، لهذا بدت الرؤية في سنواتها الأولى أقرب إلى عقد وطني واسع، فالدولة تفتح الأبواب والمجتمع يكتشف طاقاته ويكشفها، والقطاع الخاص يجد أمامه مساحة أوسع، والعالم ينظر إلى المملكة بوصفها ورشة كبرى تعيد تعريف موقعها في الاقتصاد والسياسة والثقافة.
تبدو «رؤية 2030» أقل شبهًا بالوثائق وأكثر شبهًا بالجسور التي تربط بين اقتصاد النفط واقتصاد التنوع، التي تربط بين الدولة الريعية والدولة المنتجة، وتلك الجسور الجامعة بين المدن التي كانت تكبر بحكم الحاجة، والمدن التي تُبنى بمنطق جودة الحياة، ومعبرًا بين الحلم الفردي والطموح الوطني والسعودية كما عرفها العالم، والسعودية التي يراها اليوم في القمم والمنتديات والمشاريع الكبرى والفعاليات الدولية.
وباعتقادي أن السنوات السعودية الماضية لم تكن سهلة لأن التحولات الواسعة لا تولد في ممرات هادئة، وهناك تحديات وأسئلة وتكاليف واختبارات كثيرة أوصلتنا إلى حالة اليوم المزدهرة، غير أن الدول التي تختار التحول تعرف أن الثبات على الطريق جزء من النجاح، وقد أظهرت المملكة قدرة لافتة على تحويل الرؤية إلى برامج ومؤشرات ومشاريع، وعلى جعل الطموح لغة عمل لا شعار مناسبة.
الأهم أن الرؤية غيرت صورة السعودي عن دوره، لم يعد الشاب السعودي ينتظر وظيفة فقط، بقدر ما صار يفكر في مشروع ومنصة وشركة وفرصة وسوق، ولم تعد الشابة تقف عند حافة المشاركة حيث أدخلتها الرؤية في قلبها، ولم تعد المدن مجرد أماكن للسكن والعمل ولكنها صارت فضاءات للعيش والترفيه والرياضة والثقافة والاستثمار، ولعل هذا التحول في المزاج العام هو أحد أثمن ما صنعته الرؤية.
لقد قرأ سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اللحظة مبكرًا، وأدرك أن الدول لا تحمي مكانتها بالتاريخ وحده ولزامًا عليها إعادة صناعة موقعها كل يوم، والتاريخ السعودي العميق منح الرؤية جذورًا، فيما منحها الطموح أجنحة، ومن هنا جاءت الرؤية كاستمرار للمسيرة السعودية وثقة المواطنين بالدولة، وكقفزة في الوقت نفسه لأنها عملت على تجديد الأدوات والأولويات والأحلام.