لم يعد المشهد الرقمي مجرد فضاءٍ للترفيه أو تبادل المعرفة، بل تحوّل - في بعض صوره - إلى سوقٍ مفتوحٍ تُعرض فيه القيم قبل المحتوى، وتُشترى فيه الأوهام قبل الحقيقة.

وما أكتبه هنا ليس انخراطًا في صفٍّ، ولا انتصارًا لطرف، فلستُ من أتباع هذا ولا من أنصاره، وإنما هو من باب ما تقرر في الأصول: إن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة؛ إذ حين تستدعي الظواهر بيانًا، يصبح الصمت خللًا، لا حيادًا.

حين خرج فايز المالكي منتقدًا ظاهرة «الهدايا» في البثوث المباشرة لم يكن يطرح جديدًا من حيث الوقائع، لكنه لامس موضعًا ظلّ طويلاً بمنأى عن النقد الصريح، وهنا تحديدًا بدأت القصة الحقيقية: ردّة الفعل.


فما إن وُضِعَت الظاهرة تحت ضوء المساءلة، حتى انطلقت حملةٌ شرسة من بعض المشاهير، لا لمناقشة الفكرة، بل لمهاجمة القائل بها. تحوّل النقاش سريعًا من سؤال: هل هذه الظاهرة صحيحة؟ إلى سؤال آخر: من أنت حتى تتكلم؟ في انزلاقٍ واضح من نقد الفكرة إلى شخصنة الطرح.

هذا التحوّل ليس تفصيلاً عابرًا، بل علامة دالة: حين تعجز الفكرة عن الدفاع عن نفسها، تستدعي الحشد، وتلوذ بالضجيج.

لقد أصاب النقد موضعًا حساسًا؛ لأن القضية تمسّ نموذجًا اقتصاديًا قائمًا بذاته، يقوم على استدرار التفاعل، وتحويله إلى عائد مالي مباشر. وحين يُمسّ هذا النموذج، لا يُستغرب أن تتحول المنصات إلى ساحة دفاعٍ محتدم، تُستدعى فيها الجماهير، وتُشحذ فيها العواطف، ويُعاد فيها إنتاج الخطاب على نحوٍ أكثر حدّة.

غير أن اللافت في هذه الحملة ليس شدّتها، بل طبيعة خطابها: تضخيم، تسفيه، تشكيك في النيات، ومحاولة لإعادة توجيه الأنظار بعيدًا عن أصل القضية، وكأن الإشكال ليس في الظاهرة، بل في مجرد تسميتها.

وهنا تتكشف المفارقة: ظاهرةٌ تقوم - في بعض صورها - على تحويل «الاهتمام» إلى سلعة، و«التفاعل» إلى دخل، فإذا انتُقدت، تحولت إلى خطابٍ يدّعي الحرية، بينما يمارس في الواقع نوع من الضغط الرمزي، لإسكات النقد.

ليست المشكلة في المنصات نفسها، ولا في أصل الكسب المشروع عبرها، فذلك بابٌ واسعٌ لا حرج فيه إذا انضبط بالمعايير الأخلاقية والقيمية، وإنما الإشكال في حين يُستبدل بالمحتوى القابلية للدفع، ويُقاس النجاح بكمية «الهدايا»، لا بعمق الأثر.

وحين تتحول العلاقة بين المتابع وصانع المحتوى من علاقة وعيٍ وتأثير إلى علاقة استهلاكٍ واستنزاف، فإننا لا نكون أمام «صناعة محتوى»، بل أمام إعادة تشكيلٍ صامتة للذوق العام، تُكافأ فيها الإثارة، ويُهمَّش فيها المعنى.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يقتصر على المال، بل يمتد إلى الوعي: جيلٌ يتعلم - دون تصريح - أن القيمة فيما يُدفع له، لا فيما يقدمه، وأن الظهور كافٍ بذاته، ولو خلا من المضمون.

إن النقد الذي طُرح، بغض النظر عن قائله، يفتح بابًا كان ينبغي أن يُفتح منذ زمن: باب مراجعة العلاقة بين الجمهور والمنصة، وبين التأثير والمسؤولية. أما تحويل النقاش إلى معركة شخصية، فهو - في حقيقته - هروبٌ من السؤال الأهم، لا إجابة عنه.

التحول الرقمي نعمة، لكنه حين ينفلت من ضوابطه يتحول إلى مرآةٍ مشوهة: تعكس الضجيج، وتُخفي المعنى.

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام صناعة محتوى أم صناعة وهم؟