طفلي، الذي لا يزال يرى أن اسمه الرباعي صعب الحفظ، ويتعامل معه كما لو أنه مشروع طويل الأمد، ولم ينجح حتى الآن في حفظه كاملًا، سألني بكل ثقة:

«بابا، إيش اسم السعودية بالألماني؟»

استغربت السؤال، فسألته عن السبب، فقال ببساطة:


«أريد أن أخبر أصدقائي في المدرسة عنها كيف هي حلوة».

الطفل الذي يُعد يمنيًا في الأوراق، لم يفكر أن يحدث أقرانه عن اليمن، بل عن بلد زاره زيارة عابرة فعلق في ذاكرته.

رغم محاولاتي المتكررة، بمعية والدته، لغرس اليمن في رأسه بشكل يومي، فإنه على ما يبدو، حين تزرع اليمن في عقل طفل، قد لا تحصد إلا اسم السعودية على هيئة سؤال.

والغريب أنه بدا مطمئنًا، ونحن نسير متأخرين إلى المدرسة، ولم يسألني عن الساعة، طالما أن المدرسة قريبة من المنزل، تمامًا كقرب اليمن من السعودية.

أو ربما لأن لديه معلمة ذات قلب كبير، لا يشبهه إلا قلب السعودية الكبير.

لا أخفيك، عزيزي القارئ، أني أشفقت على الزمن الذي بدأ يتراجع حتى عن موقعه الطبيعي في عقل طفلي، لدرجة أنه لم يسألني حتى كم الساعة الآن.

تذكرت، مع هذه الحادثة، ذلك الزمن المسكين، الذي بدأت أشعر نحوه بشيء من التعاطف، حين وجد نفسه في معركة سباق غير متكافئة مع السعودية ورؤيتها. زمن يركض بتهور، ويحاول بأقصى سرعته اللحاق بها، لكنه يصل متأخرًا كعادته.

وما إن يقرر أن يأخذ له استراحة محترمة في بوليفارد موسم الرياض، حتى يغفو قليلًا، ليصحو على مفاجأة تسجيل منطقة الفاو الأثرية في اليونسكو، بينما لا يزال يحاول أن يفهم كيف حدث كل ذلك. فيعود متنهدًا، يضرب بكفيه على وجهه، كنابليون عند هزيمته وسقوطه السياسي ونفيه معًا.

فالمنهزمون يتشابهون في النواح الأخير، وإن اختلفت لياليهم، ولا بد أن يجمعهم أحمد عدوية يومًا تحت راية موال آه يا زمن.

ربما كانت هذه الهزيمة المدوية للزمن نتيجة دخوله سباقًا لا يشبهه أصلًا، أو بسبب تصرفه بغباء يشبه إلى حد ما تصرفات الغباء الاصطناعي، الذي ألجأ إليه أحيانًا في تشكيل بعض جمل مقالاتي، كوني لست من جهابذة التشكيل، ومن الكسالى أيضًا في الترتيب.

وربما أكبر ترتيب أنجح فيه هو ترتيب سريري بعد الاستيقاظ، وهذه بحد ذاتها نعمة.

ولو تدخل الذكاء الاصطناعي في ذلك، لوجدت سريري وفراشي وقت النوم في آخر الشارع بدلًا من غرفة النوم.

وطبعًا السبب، من وجهة نظره، أن الجو في الشارع أحلى، خصوصًا أنه عودني على التدخل في كل شاردة وواردة مع كل طلب مساعدة.

وتحديدًا في هذه الجملة، حين طلبت منه كتابتها، أثبت لي غباءه المطلق عندما أتبعها بأيقونة ابتسامة، ذكرتني بجملة عادل إمام الشهيرة:

«يا سلام وفرحان أوي».

ابتسامة نسفت تاريخ ابتسامة الموناليزا، التي لا يزال العالم إلى اليوم لا يعرف هل تبتسم أم تضحك علينا، بسبب قيمتها الباهظة تمامًا كما نفعل نحن حين ندفع اشتراكًا باهظًا في سعادة الغباء الاصطناعي.

أطال الله عمر اشتراكه في هواتفنا، وجنبنا غباءه، وعثرات الزمن المهزوم أعلاه سعوديًا.

والذي، على ما أظن، أنه قد أقر أخيرًا بالواقع، وأهم متغيراته اليوم، أن السعودية لم تعد تسابق الزمن، بل أصبح الزمن هو من يسابقها، لإدراكها ولا يُدرك.