هذا «الاقتصاد السري» ليس استثناء، بل نمط يتكرر بأشكال متعددة داخل المجتمع، وذلك بدوافع متباينة، تتداخل فيها العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية. فبينما يلجأ بعض الأزواج إلى إخفاء جزء من دخلهم كنوع من التحوّط، يرى آخرون في هذا السلوك وسيلة لحماية الذات في ظل علاقات قد تشهد توترا أو غيابا للاستقرار.
التأمين ضد الطارئ
محمد العوفي، وهو موظف في القطاع الخاص، يقدم نموذجا واضحا لهذا السلوك. فهو يحتفظ بحساب بنكي منفصل يودع فيه مبلغا ثابتا بشكل شهري دون علم زوجته.
يبرر العوفي ذلك بحاجته إلى تأمين نفسه في مواجهة أي طارئ مستقبلي، خاصة مع تحمله مسؤولية إعالة الأسرة. من وجهة نظره، لا يحمل هذا التصرف أي بُعد خادع، بل يندرج ضمن التخطيط المالي الحذر.
في المقابل، ترى أم عبدالعزيز أن استقلالها المالي لا يقل أهمية. تدير مشروعا منزليا بسيطا، لكنها لا تكشف لزوجها عن حجم الدخل الحقيقي الذي تحققه. هي تعد أن هذا المال يمثل مساحة خاصة تمنحها حرية اتخاذ بعض قراراتها دون الحاجة إلى الرجوع إليه في كل تفصيلة، وتشعر من خلاله بقدر من التوازن داخل العلاقة.
خلل في التواصل
الباحث الأسري عبدالله فهد يربط هذه الممارسات بجذور أعمق من مجرد إدارة المال، معتبرا أن إخفاء المعلومات المالية يعكس غالبا خللا في التواصل بين الزوجين. ويشير إلى أن العلاقات التي تفتقر إلى الشفافية المالية تكون أكثر عرضة للتوتر، خصوصا عندما يتم اكتشاف هذه التفاصيل بشكل مفاجئ، حيث يتحول الأمر من مسألة مالية إلى أزمة ثقة.
نمط متكرر
من خلال تتبع آراء عدد من الأزواج، تتكرر أنماط هذا الاقتصاد الخفي بوضوح. هناك من يُخفي ديونا شخصية خشية اللوم أو المساءلة، وآخرون يعمدون إلى تضخيم المصروفات للاحتفاظ بفائض مالي لأنفسهم. وفي حالات أخرى، تتخذ قرارات استثمارية دون علم الطرف الآخر، ما قد يعرض الأسرة لمخاطر مالية غير محسوبة.
ويرى المستشار المالي صالح الحربي، أن تزايد هذه الظاهرة يرتبط بتعقيد الحياة الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. ويشير إلى أن «الضغوط المالية تدفع كل طرف للبحث عن «مساحة أمان» خاصة، حتى لو كان ذلك على حساب الشفافية». كما يؤكد على أن «غياب الثقافة المالية المشتركة بين الزوجين يسهم في اتساع هذه الفجوة، ويجعل من الصعب إدارة الموارد بشكل جماعي متوازن».
رغبة في الاستقلال
على الجانب الآخر، يربط مختصون في علم النفس الاجتماعي هذا السلوك بدوافع تتجاوز الجانب المادي، مثل الحاجة إلى الاستقلال أو الخوف من السيطرة. بعض الأفراد، خصوصا ممن مروا بتجارب سابقة معقدة، يميلون إلى الاحتفاظ بجزء من مواردهم بعيدا عن الشريك كوسيلة دفاعية تعزز شعورهم بالأمان.
وعلى الرغم من أن هذه الممارسات قد لا تؤدي دائما إلى أزمات مباشرة، إلا أن تراكمها يحمل آثارا بعيدة المدى. إحدى الزوجات اكتشفت بعد سنوات أن زوجها كان يدخر مبالغ كبيرة دون علمها، ما تسبب في اهتزاز عميق في الثقة، رغم عدم وجود أزمة مالية حقيقية. بالنسبة لها، لم تكن المشكلة في المال، بل في الإخفاء ذاته.
في المقابل، يرى البعض أن الخصوصية المالية حق مشروع، خاصة في العلاقات التي لم تُبْنَ منذ البداية على قواعد واضحة. ويعتقد هؤلاء أن الشفافية المطلقة قد تكون غير واقعية، وأن وجود هامش شخصي لكل طرف يمكن أن يكون عنصر توازن، إذا تم ضمن حدود لا تضر بالعلاقة.
تحولات في طبيعة العلاقات
يرى أخصائيون نفسيون أن «الاقتصاد السري داخل الزواج» ليس مجرد تصرف عابر، بل انعكاس لتحولات أعمق في طبيعة العلاقات الزوجية المعاصرة. فمع تغير الأدوار داخل الأسرة وتصاعد الضغوط الاقتصادية، يصبح هذا النمط أكثر حضورا ما لم تتم معالجته بوعي قائم على الحوار.
ويؤكد هؤلاء أن إخفاء المال أو وجود حسابات غير معلنة غالبا ما يرتبط بمشاعر غير معالجة، مثل القلق أو الخوف من فقدان السيطرة أو ضعف الثقة. وفي كثير من الحالات، يكون هذا السلوك بمثابة آلية دفاع نفسي أكثر من كونه نية للخداع.
كما يشيرون إلى أن غياب الحوار المالي الصريح يمهد الطريق تدريجيا لهذه الممارسات، حيث تبدأ بتفاصيل صغيرة قبل أن تتحول إلى نمط دائم. ومع مرور الوقت، قد تتراكم هذه الأسرار لتخلق فجوة عاطفية صامتة بين الزوجين.
ويلعب الشعور بالاستقلالية دورا مهما في هذا السياق، إذ يرى بعض الأزواج أن الاحتفاظ بجزء من المال بشكل منفصل يمنحهم توازنا نفسيا. إلا أن المشكلة لا تكمن في مبدأ الاستقلال ذاته، بل في الطريقة التي يُمارس بها، فإذا ارتبط بالإخفاء، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل.
صدمة نفسية
يحذر مختصون من أن اكتشاف هذه التفاصيل بشكل مفاجئ قد يُحدث صدمة نفسية، لأن الإحساس بالخداع غالبا ما يكون أشد تأثيرا من أي خسارة مالية. لذلك، ينصحون بتبني مفهوم «الوضوح التدريجي»، الذي يقوم على الاتفاق المسبق بين الزوجين حول آليات إدارة المال، بما يحقق التوازن بين الخصوصية والشفافية، ويقلل من فرص نشوء هذا الاقتصاد الخفي داخل العلاقة.