ودعت منطقة جازان عامة، وأبوعريش خاصة علما من أعلام المملكة، وذلك في مشهد مهيب تفيض فيه الذاكرة وفاء، وتغتسل الأرواح بدموع الفقد، وذلك بعد أزمة صحية عانى منها الشيخ ناصر قحل طويلا، في وقت انطفأ نور معلم الفجر للأبد، وخيم الحزن على محيا أهله ومحبيه وتلاميذه، ومنطقته.

قلب بصير

رغم حرمانه من نعمة البصر، منحه الله قلبا بصيرا وروحا لا تنكسر، حول ظلام عينيه إلى نور يقين، ورعي الغنم في طفولته إلى بناء صرح علمي خالد أضاء جازان وأحيا الدعوة إلى الله على منهج السلف الصالح.


نشأ الشيخ في أسرة زراعية ميسورة، فكان يرعى الأغنام ويعمل في الأرض وهو صغير. لم يكن الصبر مجرد صفة، بل درعه والإصرار جناحه. وبدأ حفظ القرآن في سن السادسة داخل مسجد القرية، ثم التحق بالكتاتيب التي أنشأها العلامة القرعاوي. ورغم معارضة والده، سافر إلى صامطة في الخامسة عشرة من عمره. ودرس على يد العلامة ناصر خلوفة فأتم حفظ القرآن عام 1382هـ، ونال مكافأة من الملك سعود بن عبدالعزيز رحمه الله. ثم تتلمذ في المعهد العلمي على كبار العلماء: أحمد النجمي، وزيد المدخلي، ومحمد الحكمي، ومحمد صغير محسن، وعلي البهكلي، وتخرج عام 1389-1390هـ. بعد ذلك انتقل إلى الرياض وتخرج في كلية الشريعة عام 1394هـ، لازم خلالها حلقات العلامة ابن باز والعلامة آل الشيخ رحمهما الله.

عمل قحل معلما للتربية الإسلامية في الأحساء، ثم استقر في محافظة أبو عريش، واستمر في التدريس حتى بعد تقاعده عام 1422هـ، فخرّج معها أجيالا مميزة من الطلبة، وكرس حياته للدعوة ونشر العلم، فألقى دروسا ومحاضرات في مختلف محافظات المنطقة، مع عناية خاصة بتحفيظ القرآن وعلومه والفقه والعقيدة والنحو، واشتهر بخدمته للمرضى ورقيته لهم احتسابا لوجه الله تعالى، ويعد شرحه الوافي والمفصل لمتن «ملحة الإعراب» من أبرز إسهاماته ومؤلفاته، حيث قدم دروسا مبسطة وعمیقة أسهمت في تيسير علم النحو للطلبة، واشتهر بتدريس «ألفية ابن مالك»، وتخرج على يديه نخبة من المتخصصين في علوم اللغة العربية. مهنة علمية طفولة صعبة